بمقتضاه كان الفوز كله، ومن أجل الخيبة الإقرار بالتحقيق والشهادة له كانت الخيبة
الجمعاء والخسران الكبير.
(فصل)
والمعرفة هي أن تعرفه بأياديه الكاملة وصفاته العالية وأسمائه الحسنى، وأي
يد هي أكمل ونعمة هي أعظم من أن جعلك عبد الرب؟ هو الله لا إله إلا هو الحي
القيوم، ذلك المجد الذي لا يُدانا، والفخر الذي لا يطاول، إذ جعل لك ذلك عوضًا
من أن تكون عبدًا لما لم يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئًا ضلالاً عن القصد
بعيد، وحرمان من حظ الدنيا والآخرة شديد.
واعلم أن المعرفة معرفتان: معرفة حق ومعرفة حقيقة، والمعروف بهما واحد
أحد صمد (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
فمعرفة الحق: هو ما أبدى للخليقة من أسمائه وصفانه آثاره في موجوداته،
ونصوصًا ومعاريض في كتبه على ألسنة رسله وأنبيائه، صلوات الله وسلامه على
جميعهم.
وأما معرفة الحقيقة: فلا سبيل إلى بلوغ كنهها، لامتناع علاء الصمدنية، وعزة
عظمة الربوبية، وقصور الأوهام عن تحقيق معرفة الأحدية، ولأنه لا شبه له ولا مثل
له فيقاس عليه.
قال الله - عز وجل: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) ومن
عرف لم يعرف منه إلا ما يحبه لأجله، ولذلك كانت المعرفة من علامات المحبة،
ومن عرف فمن علامات معرفته أن يرى العارف نفسه في قبضة العزة تجري به لطائف القدرة، ولذلك كان شأن العارف المحقق السكون تحت جري الأحكام
والطمأنينة لتصريف القضاء له وعليه.
قوله - جلَّ جلالُه: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ... ) إلى قوله جلَّ قوله:
(وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) معهود.
"أنزل"على وزن"أفعل": الإنزال من علو إلى سفل.
و"نزل"على وزن"فعل": من التنزيل الذي هو التيسير والتعريف هو التفهيم،
والقرآن منزل على ما هو عليه إنه كلام الله جل ذكره، ليس كمثله كلام، عظيم نزله
روح القدس منه - جلَّ جلالُه - بالحق إلى الروح الأمن إلى قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى لسانه
تلاوة وقراءة، قرآنًا عربيًّا بالألسن حديثًا صادقًا مقطعًا على مخارج الحروف، وهو