فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 77992 من 466147

[من روائع الأبحاث]

(فصل: في المواعظ والرقائق)

(النفس تطلب ما لا تقدر عليه)

قال ابن الجوزي:

رأيت المعافى لا يعرف قدر العافية إلا في المرض، كما لا يعرف شكر الإطلاق إلا في الحبس.

وتأملت على الآدمي حالة عجيبة، وهو أن تكون معه امرأة لا بأس بها إلا أن قلبه لا يتعلق بمحبتها تعلقاً يلتذ به.

ولذلك سببان، أحدهما أن تكون غير غاية في الحسن؛ والثاني أن كل مملوك مكروه، والنفس تطلب ما لا تقدر عليه.

فتراه يضج ويشتهي شيئاً يحبه أو امرأة يعشقها، ولا يدري أنه إنما يطلب قيداً وثيقاً يمنع القلب من التصرف في أمور الآخرة أو في أي علم أو عمل، ويخبطه في تصريف الدنيا، فيبقى ذلك العاشق أسير المعشوق، همه كله معه.

فالعجب لمطلق يؤثر القيد، ومستريح يؤثر التعب.

فإن كانت تلك المرأة تحتاج أن تحفظ فالويل له لا قرار له ولا سكون.

وإن كانت من المتبرجات اللواتي لا يؤمن فسادهن فذاك هلاكه بمرة.

فلا هو إن نام يلتذ بنومه، ولا إن خرج من الدار يأمن محنة.

وإن كانت تريد نفقة واسعة وليس له، فكم يدخل مدخل سوء لأجلها.

وإن كانت تؤثر الجماع وقد علت سنه فذاك الهلاك العظيم.

وإن كانت تبغضه فما بقيت من أسباب تلفه بقية، فيكون هذا ساعياً في تلف نفسه كما قال القائل:

نحب القدود ونهوى الخدود ... ونعلم أنا نحب المنونا

وهذا على الحقيقة كعابد صنم.

فليتق الله من عنده امرأة لا بأس بها، وليعرض عن حديث النفس ومناها فما له منتهى.

ولو حصل له غرضه كما يريد وقع الملل وطلب ثالثة.

ثم يقع الملل ويطلب رابعة، وما لهذا آخر.

إنما يفيده ذلك في العاجلة تعلق قلبه وأسر لبه، فيبقى كالمبهوت.

فكره كله في تحصيل ما يريد محبوبه، فإن جرت فرقة أو آفة فتلك الحسرات الدائمة إن بقي أو التلف عاجلاً.

وأين المستحسن المصون الدين القنوع بمن يحبه هذا أقل من الكبريت الأحمر.

فلينظر في تحصيل ما يجمع معظم الهم. ولا يلتفت إلى سواد الهوى وغاية المنى، يسلم. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت