الجواب: الأم فِي حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات وقيل: أن ما جرى فِي الإنجيل من ذكر الأب، وهو أنه قال: إن الباري القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها، فعبّر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الإبن، ثم وقع فِي الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة، فكان قوله {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} [مريم: 35] محكماً لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية، وكان قوله: عيسى روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم.
السؤال الثاني: لم قال: {أُمُّ الكتاب} ولم يقل: أمهات الكتاب؟.
الجواب: أن مجموع المحكمات فِي تقدير شيء واحد، ومجموع المتشابهات فِي تقدير شيء آخر وأحدهما أم الآخر، ونظيره قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً} [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين، وإنما قال ذلك على معنى أن مجموعهما آية واحدة، فكذلك ههنا. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 150}
قال الفخر:
اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكتاب ينقسم إلى قسمين منه محكم ومنه متشابه، بيّن أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه، والزيغ الميل عن الحق، يقال: زاغ زيغاً: أي مال ميلاً واختلفوا فِي هؤلاء الذين أُريدوا بقوله {فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} فقال الربيع: هم وفد نجران لما حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه قال: بلى.