9 -قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} . تقديره: جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه؛ فلما حذف لفظ
الجزاء، دخلت اللام على ما يليه، وأغنت عن (في) ؛ لأن حروف الإضافة متآخية؛ لما يجمعها من معنى الإضافة.
قال الزجّاج: وهذا إقرارٌ من المؤمنين بالبعث، ومخالفةٌ لمن اتبع
المتشابه ممن ينكر أمر البعث.
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [يجوز أن يكون إخبارًا عن المؤمنين أنهم قالوا ذلك، فيكون متصلًا بما قبله، لكنه على تلوين الخِطاب، و] يجوز أن يكون استئنافًا، أخبر الله تعالى أنه لا يخلف الميعاد. ولا يدلُّ هذا على تخليد مرتكبي الكبائر من المسلمين في النار، وإنْ وعد ذلك بقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 14] . الآية؛ لأن المراد بالميعاد ههنا يوم القيامة لأن الآية وردت في ذكره. أو يُحمل [هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء؛ لأن خلف الوعيد كرم عند العرب] ، والدليل: أنهم يمدحون بذلك، ومنه قول الشاعر:
إذا وعد السرّاءَ أَنجز وعدَه ... وإنْ وَعَدَ الضرّاءَ فالعَفْوُ مانَعُهْ
قال الأصمعي: جمعنا بين أبي عمرو بن العلاء، وبين محمد بن مسعود الفدكي، فقال أبو عمرو: ما تقول؟ قال: أقول: إن الله وعد وعدًا، وأوعد إيعادًا، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده. فقال أبو عمرو: إنك رجل أعجم، لا أقول: أعجم اللسان، ولكن أعجم القلب. إن العرب تعُدُّ الرجوع عن الوعد لُؤمًا، وعن الإيعاد كرمًا، وأنشد:
وإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ ... لَيَكذِبُ إيعادي ويصدقُ موعدي
أو تقول: هذا عامٌّ في وعيد الأولياء، ووعيد الكفار، فأما مرتكبو الكبائر، فهم مخصوصون بقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] . انتهى انتهى {التفسير البسيط. 5/ 63 - 67} .