قال الآلوسي:
ومن باب الإشارة فِي الآيات: {قَدْ كَانَ لَكُمْ} يا معشر السالكين إلى مقصد الكل {ءايَةً} دالة على كمالكم وبلوغكم إلى ذروة التوحيد {فِي فِئَتَيْنِ التقتا} للحرب {فِئَةٌ} منهما وهي فئة القوى الروحانية التي هي جند الله تعالى {تقاتل فِى سَبِيلِ الله} وطريق الوصول إليه {وأخرى} منهما وهي جنود النفس وأعوان الشيطان {كَافِرَةٌ} ساترة للحق محجوبة عن حظائر الصدق ترى الفئة الأخيرة الفئة الأولى لحول عين بصيرتها {مّثْلَيْهِمْ} عند الالتقاء فِي معركة البدن رؤية مكشوفة ظاهرة لا خفاء فيها مثل رؤية العين، وذلك لتأييد الفئة المؤمنة بالأنوار الإلهية والإشراقات الجبروتية، وخذلان الفئة الكافرة بما استولى عليها من تراكم ظلمات الطبيعة وذل البعد عن الحضرة {والله} تعالى {يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء} تأييده لقبول استعداده لذلك {إِنَّ فِى ذَلِكَ} التأييد
{لَعِبْرَةً} [آل عمران: 13] أي اعتباراً أو أمراً يعتبر به فِي الوصول إلى حيث المأمول للمستبصرين الفاتحين أعين بصائرهم لمشاهدة الأنوار الأزلية فِي آفاق المظاهر الإلهية {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات} بسبب ما فيهم من العالم السفلي والغشاوة الطبيعية والغواشي البدنية {مّنَ النساء} وهي النفوس {والبنين} وهي الخيالات المتولدة منها الناشئة عنها {والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة} وهي العلوم المتداولة وغير المتداولة، أو الأصول والفروع {والخيل المسومة} وهي مراكب الهوى وأفراس اللهو {والانعام} وهي رواحل جمع الحطام وأسباب جلب المنافع الدنيوية {والحرث} وهو زرع الحرص وطول الأمل {ذلك متاع الحياة الدنيا} [آل عمران: 14] الزائل عما قليل بالرجوع إلى المبدأ الأصلي والموطن القديم.