فصل
قال الفخر:
اختلفوا فِي كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت، فقال الأكثرون: كان ذلك حال طفوليتها، وبه جاءت الروايات، وقال بعضهم: بل إنما كفلها بعد أن فطمت، واحتجوا عليه بوجهين الأول: أنه تعالى قال: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} ثم قال: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات الحسن والثاني: أنه تعالى قال: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يا مريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله} وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت تلك الكفالة، وأصحاب القول الأول أجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب، فلعل الانبات الحسن وكفالة زكرياء حصلا معاً.
وأما الحجة الثانية: فلعل دخوله عليها وسؤاله منها هذا السؤال إنما وقع فِي آخر زمان الكفالة. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 26 - 27}
[فائدة]
قال ابن الجوزي:
قوله تعالى: {وجد عندها رزقاً} قال ابن عباس: ثمار الجنة، فاكهة الصيف فِي الشتاء، وفاكهة الشتاء فِي الصيف، وهذا قول الجماعة.
قوله تعالى: {أنى لكِ هذا} أي: من أين؟ قال الربيع بن أنس: كان زكريا إذا خرج، أغلق عليها سبعة أبواب (1) ، فإذا دخل وجد عندها رزقاً.
وقال الحسن: لم ترتضع ثدياً قط، وكان يأتيها رزقها من الجنة (2) ، فيقول زكريا: أنى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله، فتكلمت وهي صغيرة.
وزعم مقاتل أن زكريا استأجر لها ظئراً، وعلى ما ذكرنا عن ابن إسحاق يكون قوله لها: أنى لك هذا؟ لاستكثار ما يرى عندها. وما عليه الجمهور أصح. انتهى انتهى. {زاد المسير حـ 1 صـ 380}
(1) يقول ابن القماش:
لا يخفى ما فيه من بعدٍ ومبالغة. والله أعلم.
(2) يقول ابن القماش:
لا يخفى ما فِي هذا القول من البعد والفساد، فهذا أمر لم يتحقق لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عظيم شرفه، وعلو قدره، وكمال رتبنه، وقصة قطف العنب مشهورة فِي البخاري
4901 عن عبد الله بن عباس أنه قال:
خسفت الشمس عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة ثم ركع ركوعا طويلا ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد ثم قام فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع ثم سجد ثم انصرف وقد تجلت الشمس فقال (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله) . قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا فِي مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت؟ فقال (إني رأيت الجنة أوأريت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر كاليوم منظر قط ورأيت أكثر أهلها النساء) . قالوا لم يا رسول الله؟ قال (بكفرهن) . قيل يكفرن بالله؟ قال (يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط)
ومعلوم أن نعيم الجنة محله فِي الآخرة ولو حظي به أحد فِي الدنيا لكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وقد منح الله بعض صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل مريم - عليها السلام ـ
ففى البخارى 288.
أن بنت الحارث أخبرت أنهم حين اجتمعوا لقتل خبيب استعار منها موسى يستحد بها فأعارته فأخذ ابنا لي وأنا غافلة حين أتاه قالت فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب فِي وجهي فقال تخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب فِي يده وإنه لموثق فِي الحديد وما بمكة من ثمر وكانت تقول إنه لرزق من الله رزقه خبيبا. والله أعلم.