39 -قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ} يقال: نادى، مُناداةً، ونِداءً. فالكسر: مصدرٌ، والضم اسمٌ. وأكثر ما جاءت الأصوات على ضَمِّ أولها؛ نحو: (الرُّغاء) ، و (البُكاء) ، و (الصُّراخ) ، و (الهُتاف) .
وفي قوله: {فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ} ، قراءتان: التذكير، والتأنيث.
قال الفرَّاء: (الملائكة) ، وما أشبههم من الجمع، يُذَكَّر وُيؤَنَّث.
وقرأت القُرَّاءُ: {يَعرُجُ الملائكة} ، و {تَعرُجُ} [المعارج: 4] ، و {تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} و {ويَتَوفَّاهم الملائكة} [النحل: 28] ، فمن ذكَّر؛ ذهب إلى معنى التذكير، ومن أنَّث؛ فلِتأنيث الاسم.
قال الزجَّاج: الجماعة، يلحقها التأنيث؛ للفظ الجماعة، ويجوز أن يُعبَّر عنها بلفظ التذكير؛ لأنه يقال: جَمْعُ الملائكة، وهذا كقوله: {وَقَالَ نِسْوُةُ} [يوسف: 30] .
وقال أهل المعاني: أراد بالملائكة ههنا: جبريل، وحده،
وذلك جائز في العربية أن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع؛ كما تقول في الكلام: (ركب السفنَ) ، و (خرجَ على البِغالِ) ، وإنما ركب بغلاً واحدًا. وهذا جائز فيما لم يُقْصد فيه قَصْد واحدٍ بعينه.
قال الزجَّاج: المعنى: أتاه النداءُ من هذا الجنس، الذين هم الملائكة، كما تقول: (ركب فلانٌ في السُّفُن) وإنما ركب في سفينةٍ واحدةٍ؛ تريد بذلك: جَعْلَ ركوبه في هذا الجنس.
ومثل هذا مما في القرآن قوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173] ، وهو نعيْمُ بن مَسعود، {إِنَّ النَّاسَ} ، يعني: أبا سُفيان.
قال المفضَّل: إذا كان القائل رئيسًا، فيجوز الإخبار عنه بالجمعِ؛ لاجتماع أصحابه معه، فلمَّا كان جبريل عليه السلام رئيس الملائكة، وقلَّما يُبْعثُ إلاَّ ومعه جَمعٌ منهم، جُرِيَ على هذا. وهذا قول ابن عباس، والأكثرين: إنَّ المنادى جبريل وحده.
وقال غيره: ناداه جماعةٌ من الملائكة.