أتينا في جزء سابق على ذكر الخلاف بين المسلمين في الكرامات، ووعدنا
بذكر حجج المنكرين والمثبتين والنظر فيها، ونبدأ بذكر حجج المنكرين الخمس التي
أوردها العلامة السبكي مع ردها وسمَّاها شُبَهًا، ولا يقتضي تسميتنا إياها حججًا،
اعترافنا بحقيتها ولا عدمه؛ فإن بعض الحجج داحضة.
(الحجة الأولى) قالوا: إن تجويز الكرامة يفضي إلى السفسطة إذ يقتضي
تجويز انقلاب الجبل ذهبًا إبريزًا، والبحر دمًا عبيطًا، وانقلاب أوانٍ تركها الإنسان
في بيته أئمة فضلاء مدققين، قال السبكي: والجواب من وجوه، الأول: إنا لا نسلم
بلوغ الكرامة هذا المبلغ كما اقتضاه كلام الإمام القشيري، الثاني: نسلم
(جدلاً) لكن نمنع اقتضاءه سفسطة؛ لأنه بعينه وارد عليكم في زمن النبوة،
الثالث: أن التجويزات العقلية لا تقدح في العلوم العقلية، وجواز تغيرها بسبب
الكرامة تجويز عقلي فلا يقدح فيها. اهـ
أقول: كلام السبكي - كغيره - صريح في أن الكلام في جواز الكرامة لا
في وقوعها، ومعلوم أن العقل يجوِّز ما دون المحال، وإنما المحال العقلي هو اجتماع
النقيضين أو ارتفاعهما، وأكثر الناس يطلقون لفظ المحال العقلي على كل مستبعد غير
مألوف، وفيما أظهرته الصناعة والعلوم الطبيعية الكثير من تلك الأمور المستبعدة
التي كان يجزم الناس باستحالتها لو لم تقع فعلاً، كالتلغراف وغيره.
ومن الأمور التي تستبعد العقول وقوعها إذا هي تصورتها ما يكون له سبب
طبيعي مجهول يوجد بوجوده، واهتداء الناس إليه ومنها ما ليس كذلك، وكلا
القسمين جائز الوقوع في نظر العقل، ولكن ما كل جائز عقلاً يقع فعلاً، وقوله: إن
الكرامة لا تبلغ هذا المبلغ، هو التحقيق، وإن كان الجمهور على خلافه، وسيأتي
بيانه.
(الحجة الثانية) قالوا: لو جازت الكرامة لاشتبهت بالمعجزة، فلا تدل
المعجزة على ثبوت النبوة، قال السبكي: والجواب منع الاشتباه لقرن المعجزة
بدعوى النبوة دون الكرامة، فهي إنما تقرن بكمال اتباع النبي من الولي، وأيضًا
فالمعجزة يجب على صاحبها الإشهار والكرامة مبناها على الإخفاء، ولا تظهر إلا
على الندرة والخصوص، لا على الكثرة والعموم، وأيضًا فالمعجزة يجوز أن تقع