الأولى وهي النسبة الذهنية: فقبل أن أتكلم أعرض الأمر على ذهني ، وذهني هو الذي يعطي الإشارة للساني ليتكلم ، هذه هي النسبة الأولى واسمها"نسبة الذهن". وقد يعن لي أن تأتي النسبة الذهنية ثم أعدل عنها فلا أتكلم ، فتكون النسبة الذهنية قد وُجِدت ، والنسبة الكلامية لم توجد.
وقد أصر على أن أبرز إشارة ذهني على لساني فأقول النسبة الكلامية. ونأتي بعد النسبة الكلامية لنرى: هل الواقع أن ما حدث وتحدثت به وقع أم لم يقع ؟ فإن كان قد وقع ، يكون الكلام مني صدقا. وإن لن يكن قد وقع ، وكانت النسبة الخارجية على عكس ما أخبرت به. فإننا نقول:"هذا كلام كذب"إذن: فالصدق: هو أن تطابق النسبة الكلامية الواقع. والكذب: هو ألا تطابق النسبة الكلامية الواقع وكثيرا ما يخطئ الناس فِي فهم الواقع فيجدون تناقضا فِي بعض الأساليب.
مثال ذلك ، حينما تعرض بعض المستشرقين لقول الحق سبحانه وتعال:
{إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1] تلك نسبة كلامية صدرت منهم ، فهل هي مطابقة للواقع أم هي مخالفة له ؟ إنها مطابقة للواقع. ويؤكد الحق ذلك بقوله:
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} [المنافقون: 1] .
بعد ذلك يقول الحق سبحانة:
{وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] .
فقيم كذب المنافقون ؟ هل كذبوا فِي قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} ؟ لا. إن الحق لم يكذبهم فِي قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} ؛ لأن الله قد أيد هذه الحقيقة بقوله {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} .