فساعة أن يطلب منك أن تفعل ، أي إنه قد خلقك صالحا ألا تفعل كما قلنا من قبل. إلاّ إن كنت مجبرا على الفعل فقط. وكذلك إذا قال لك الحق:"لا تفعل". والشيء القدرى الذي لا صلاحية فيه للاختيار ماذا يفعل فيه المؤمن ؟ إنه يصبر على الآلآم والمتاعب لأنه آمن بالله ربا ، والرب هو الذي يتولى تربية المربي لبلوغه حد الكمال المنشود له فإذا جاء لك الحق بأمر لا خيار لك فيه ، كالمرض أو الكوارث الطارئة ، كوقوع حجر من أعلى أو إصابة برصاصة طائشة ، فكل ذلك هي أمور لا دخل لـ"افعل"ولا"تفعل"فيها.
وهناك يكون الصبر على مثل هذه الأمور هو الإيمان بحكمة من أجراها عليك. لأن الذي أجراها رب ، وهو الذي خلقني فأنا صنعته.
وما رأينا أحدا يفسد صنعته أبدا. فإذا ما جاء أمر على الإنسان بدون اختيار منه ، فالذي أجراه له فيه حكمة, فإن صبر الإنسان على هذه الآلام فإنه يدخل فِي باب الصابرين.
إذن فالصابرون أنواع هم: صابر على الطاعة ومشاقها ، صابر على المعاصي ومغرياتها ، وصابر على الأحداث القدرية التي تنزل عليه بدون اختيار منه. وإذا رأيت إنسانا قد صبر على أمر الطاعة وصبر عن شهوة المعصية وصبر على الأقدار النازلة به ، فاعرف حبه لربه ورضاه عنه.
ونأتي بعد ذلك لوصف آخر يقول الله فيه: {الصَّابِرِينَ} {وَالصَّادِقِينَ} .
والصدق كما نعلم يقابله الكذب ، والصدق كما نعرف حقيقته: يأتي حين توافق النسبة الكلامية التي يتكلم بها الإنسان ، النسبة الأخرى الخارجية الواقعة فِي الكون.
فإن قلت:"حصل كذا وكذا"فتلك نسبة كلامية صدرت من متكلم ، فإن وافقها الواقع بأنه حصل كذا وكذا فعلا يكون المتكلم صادقا. وإن لم يكن الواقع موافقا لحدوث ما أخبر به يكون المتكلم كاذبا. لماذا ؟ لأن كلام المتكلم العاقل لا بد له من نسب ثلاث: