ولعله سبحانه وتعالى أشار بهذه الصفات الخمس المتعاطفة إلى دعائم الإسلام الخمس، فأشار بالصبر إلى الإيمان، وبالصدق إلى الزكاة المصدقة لدعواه، وبالقنوت الذي مدار مادته على الإخلاص إلى الصلاة التي هي محل المراقبة، وبالإنفاق إلى الحج الذي أعظم مقوماته المال، وبالاستغفار إلى الصيام الذي مبناه التخلي من أحوال البشر والتحلي بحلية الملك لا سيما فِي القيام ولا سيما فِي السحر؛ وسر ترتيبها أنه لما ذكر ما بين العبد والخالق فِي التوحيد الذي هو العدول أتبعه ما بينه وبين الخلائق فِي الإحسان، ولما ذكر عبادة القلب والمال ذكر عبادة البدن الدالة على الإخلاص فِي الإيمان، ولما ذكر عبادة البدن مجرداً بعد عبادة المال مجرداً ذكر عبادة ظاهرة مركبة منهما، شعارها تعرية الظاهر، ثم أتبعه عبادة بدنية خفية، عمادها تعرية الباطن، فختم بمثل ما بدأ به، وهو ما لا يطلع عليه حق الاطلاع إلا الله سبحانه وتعالى. انتهى انتهى. {نظم الدرر حـ 2 صـ 39 - 41}
لما ذكر الإيمان بالقول، أخبر بالوصف الدّال على حبس النفس على ما هو شاق عليها من التكاليف، فصبروا على أداء الطاعة، وعن اجتناب المحارم، ثم بالوصف الدال على مطابقة الاعتقاد فِي القلب للفظ الناطق به اللسان، فهم صادقون فيما أخبروا به من قولهم: {ربنا إننا آمنا} وفي جميع ما يخبرون. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 2 صـ 418}
فصل
قال الفخر:
اعلم أنه تعالى ذكر ههنا صفات خمسة:
الصفة الأولى: كونهم صابرين، والمراد كونهم صابرين فِي أداء الواجبات والمندوبات، وفي ترك المحظورات وكونهم صابرين فِي كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد، وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين فِي قلوبهم عن الله تعالى، كما قال: {الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون} [البقرة: 156] قال سفيان بن عيينة فِي قوله {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ} [السجدة: 24] إن هذه الآية تدل على أنهم إنما استحقوا تلك الدرجات العالية من الله تعالى بسبب الصبر، ويروى أنه وقف رجل على الشبلي، فقال: أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال الصبر فِي الله تعالى، فقال لا، فقال: الصبر لله تعالى فقال لا فقال: الصبر مع الله تعالى، قال: لا.
قال: فأيش؟ قال: الصبر عن الله تعالى، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف.
وقد كثر مدح الله تعالى للصابرين، فقال: {والصابرين فِى البأساء والضراء وَحِينَ البأس} [البقرة: 177] .