فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 78211 من 466147

[من روائع الأبحاث]

(فصل: في المواعظ والرقائق)

قال ابن الجوزي:

يا أخي، لله درّ أقوام نعمّهم مولاهم بقربه، فحجبهم عن خطرات الوسواس. حمي إقليم قلوبهم من غبار الشهوات من حمايته بحراس، قبلوا أمره بالقبول، وقاموا به على العينين والرأس، قدّموا زاد الأعمال لسفر الموت وظلمة الأرماس، يا بطّال، أبطال ميدان الدّجى لله درّهم من أبطال وأفراس، خلع عليهم خلعة الرضا، ونادهم مرحبا بالأحباب الأكياس، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل عمران 110] .

وأنشدوا:

أيا نفس توبي قبل أن ينكشف ... الغطا وأُدعَى إلى يوم النشور وأجزع

فلله عبد خائف من ذنوبه ... تكاد حشاه من أسى تتقطع

إذا جنّه الليل البهيم رأيته ... وقد قام في محرابه يتضرّع

ينادي بذل يا إلهي وسيدي ... ومن يهرب العاصي إليه ويفزع

قصدتك يا سؤلي ومالي مشفع ... سوى حسن ظني حين أرجو وأطمع

فجد لي بعفو وامح ذنبي ونجّني ... من النار يا مولى يضرّ وينفع

بهذا ينال الملك والفوز في غد ... ويجزى نعيما دائما ليس يقطع

وقف الفضل الجوهري العالم في الحرم متوجها إلى الكعبة وهو محرم ثم قال بأعلى صوته:

يا تلفى بحتوف المراقبة والمعرفة، يا قتلى بسيوف المؤانسة والمحبة، يا حرقى بنار الخوف والاشتياق، ويا غرقى في بحر المشاهدة والتلاق، هذه ديار المحبوب، فأين المحبون؟ هذه أسرار القرب، فأين المشتاقون؟ هذه آثار الديار والربوع فأين القاصدون؟ هذه ساعة العرض والاطلاع على الدموع فأين الباكون؟.

ثم شهق شهقة عظيمة وغشي عليه، فأفاق بعد ساعة وهو يقول:

مذ تبدي لناظري ... بلبل الشوق وخاطري

حاضر غير غائب ... ساكن في الضمائر

هو كنزي الذي بدا ... في الرسوم والدوائر

قال الراوي: فدنوت منه وقلت له: يا سيدي ما علامة المحبين لله؟.

قال: إن المحبين عند ظلام الليل عند الله سبحانه وتعالى نشاطا، وبينهم وبينه انبساطا، شغلهم الأنس بمعبودهم عن لذة الكرى، وقطعهم الشغل به عن جميع الورى، ولا يؤثرون على مناجاته مناما، ولا يختارون على كلامه كلاما، عرفه من عرفه، وذاقه من ذاقه، واستأنس به من استطابه.

سبحان من حكم بالفناء على الخلائق، فتساوى عنده الملوك والعبيد، تفرّد بالبقاء، وتوحّد بالقدم، وصرف أقداره في الملك بما يريد، ظهر افتقار الكل إليه، الصالح والطالح والغويّ والرشيد، {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [سورة الرحمن 29] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت