ثم استغاثوا - رضي الله عنا وعنهم - متعوذين به مما أصاب أولئك في ابتغائهم فيما ترك إليهم من كتاب ربهم من زيغٍ وفتنة بقولهم: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(8)
يقول الله جلَّ ذكره: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) وما يبتغي عبد مزيد
النعمة بمثل الإقرار بالتقصير، والإرزاء على النفس، ورد النعمة إلى الله جلَّ ذكره
والشكر على ذلك.
التأويل على ضربين:
ضرب فيه معلوم: من أوَّلت الشيء أَخذتُه من أوله ورددته إليه، كتأويل الرؤيا أولتها؛ أي: صرفتها إلى أولها من أم الكتاب الذي ابتدأت منه.
ومن ذلك تأويل الأمثال تأولتها: صرفتها إلى ما ضربت له أمثالاً، ومن أجل
ذلك ألحقث الأمثال بالمتشابه.
قال الله - عز وجل: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(43) .
والضرب الثاني من التأويل: مأخوذ من المآل، وما يرد منه إلى ما يؤول إليه،
فما كان من الخطاب في وصف الأسماء الحسنى والصفات العليا والنبوة وضرب
الأمثال، فصرفه إلى أوليته أولى به، وما كان من خطاب في وصف الجزاء العاجل
والآجل، والثواب والعقاب والموت وما بعده، ثم البعث وما بعده يصرف إلى مآله
أولى به، وفي ذلك الشفاء والرحمة إن شاء الله.
وفي مثل هذا قال الله - عز وجل: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ ... .).
فإذا كان بمعنى المآل كان الوقف على اسم الله جلَّ ذكره، لأنه لا يعلم متى
يموت العبد، ولا متى تكون الساعة والحساب وانقراض الدنيا وابتداء يوم الآخرة
إلا الله؛ إذ المستقبل كله غيب.
وإذا كان بمعنى رد المعنى إلى أوله، فالوقف على قوله جلَّ قوله:
(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) .
وفي حرف أبي وابن مسعود رضي اللَّه عنهما: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ