ولكن كذبهم الله فيما سها عنه المستشرق الناقد عندما قالوا: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} . لقد كذبهم الله فِي شهادتهم ، لا فِي المشهود به ، وهو أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من الله ، إن الله يعلم أن محمدا رسوله المبعوث منه رحمة للعالمين ، لكن الكذب كان فِي شهادتهم هم.
إن كلام المنافقين مردود من الله. لماذا ؟ لأن الشهادة تعني أن يواطئ اللسان القلب ويوافقه. وقولهم: شهادة لا توافق قلوبهم وتعنى كذبهم.
إذن ، فالتكذيب هو لشهادتهم ، فلو قالوا: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} دون"نشهد"لكان قولهم: قضية"سليمة". ولذلك كان تكذيب الله لشهادتهم ، ومن هنا ندرك السر فِي قول الله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} . إن الحق يؤكد الأمر المشهود به وهو بعث محمد رسولا من عند الحق ، وبعد ذلك يأتي لنا الحق بشهادته إن المنافقين كاذبون فِي قولهم:"نشهد". فالصدق أن تطابق النسبة الكلامية الواقع. والصدق - كما قلنا من قبل - حق ، والحق لا يتعدد ، وضربت من قبل المثل بأن الإنسان الذي نطلب منه أن يروي واقعة شهدها بعينيه ، وأن يحكيها بصدق لن يتغير كلامه أبدا ، مهما تكرر القول ؛ أو عدد مرات الشهادة. لكن إن كانت الواقعة كذبا ، فالراوي تختلط عليه أكاذيبه ، فيروي الواقعة بألوان متعددة لا اتساق فيها ، وقد ينسي الراوي الكاذب ماذا قال فِي المرة الأولى ، وهكذا ينكشف سر الكذب. لكن الراوي عن واقع مشهود وبصدق ، هو الذي يحكى ، وهو الذي لا تختلف رواياته فِي كل مرة عن سابقتها بل تتطابق.
فعندما نقول:"إن زيدا مجتهد"، فهذا يعني أن اجتهاد زيد قد حدث أولا ، ثم يأتي فِي ذهن من رأى اجتهاد زيد أن يخبر بأمر اجتهاده ، ثم يخبر بالكلام عن اجتهاد زيد. إن الأمر الخارج وهو اجتهاد زيد قد حدث أولا ، وبعد ذلك تأتي النسبة الذهنية ، وبعد ذلك تأتي النسبة الكلامية.