بجميع خوارق العادات، والكرامة تختص ببعضها كما بيناه من كلام القشيري وهو
الصحيح. اهـ.
أقول: أين هذا مما هو مستفيض بين الناس في هذه الأزمنة من أن الكرامات
صارت عند الشيوخ من الأمور الاعتيادية بحيث ينقلون عن الواحد منهم الألوف
منها، أو كما قال الأستاذ مفتي الديار المصرية في رسالة التوحيد فيهم:(يظنون
أن الكرامات وخوارق العادات أصبحت من ضروب الصناعات، يتنافس فيها
الأولياء، وتتفاخر فيها همم الأصفياء، وهو ما يتبرأ منه الله ودينه وأولياؤه وأهل
العلم أجمعون)وستقف على توضيح هذا.
(الحجة الثالثة) قالوا: لو ظهرت لولي كرامة لجاز الحكم له بمجرد دعواه
أنه لا يملك نحو فِلس لظهور درجته عند الله، المانعة له من الكذب في هذا النزر
القليل، لكنه باطل بالإجماع المؤيد بخبر البينة على المدعي، قال: والجواب أن
الكرامة لا توجب عصمة الولي ولا صدقه في كل الأمور، ونقل إن الجنيد سئل؛
هل يزني الولي؟ فقال: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} (الأحزاب: 38) ، ثم
قال السبكي: وهَبْ أن الظن حاصل بصدق دعواه إلا أن الشارع جعل لثبوت
الدعوى طريقًا مخصوصًا، ورابطًا معروفًا لا يجوز تعديه ولا العدول عنه، ألا
ترى أن كثيرًا من الظنون لا يجوز الحكم بها لخروجها عن الضوابط الشرعية.
(الحجة الرابعة) قالوا: لو جاز ظهور خوارق العادات على أيدي الصالحين
لما أمكن أن يستدل على نبوة الأنبياء بظهورها على أيديهم لجواز أن تظهر على يد
الولي سرًّا، فإن من أصول معظم جماعتكم أن الأولياء لا يظهرون الكرامات ولا
يدعون بها وإنما تظهر سرًّا وراء ستور ويتخصص بالاطلاع عليها آحاد الناس،
ويكون ظهورها سرًّا مستمرًّا بحيث يلتحق بحكم المعتاد، فإذا ظهر نبي وتحدى
بمعجزة جاز أن تكون مما اعتاده أولياء عصره من الكرامات، فلا يتحقق في حقه
خرق العادة، فكيف السبيل إلى تصديقه مع عدم تحقق خرق العوائد في حقه؟
وأيضًا تكرر الكرامة يلحقها بالمعتاد في حق الأولياء، وذلك يصدهم عن
تصحيح النظر في المعجزة إذا ظهر نبي في زمنهم.
وقال في الجواب: لأئمتنا وجهان: (الأول) منع توالي الكرامات واستمرارها