(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
لما قَامَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام بِإِقَامَة الْإِقَامَة لِمَرْيَم رأى وَكيل الْغَيْب يسْبقهُ بالإنفاذ على يَد الْقُدْرَة فِي كن كن وَكَانَ إِذا خرج ثمَّ جَاءَ فاجأ ثمَّ الثِّمَار قد نمت فكم قد ألفى ألفاف الْفَاكِهَة الفائقة لَا فِي حينها فتلمح بِعَين زرقاء الْفَهم فَرَأى نَفَقَة الْجَارِيَة جَارِيَة وكيس الْأَسْبَاب على خَتمه فصاح لِسَان الدهش {أَنى لَك هَذَا} فأحالت الْحَال على الْمُسَبِّب {هُوَ من عِنْد الله} فنبهت هَذِه الْآيَة رَاقِد طمعه بعد أَن أَطَالَ وسنه سبعين سنة فسن على سنة وَجهه مَاء رَجَاء مَاء آسن مِمَّا لم يتسنه وَقَامَ الدردح بعد أَن تقعوس وتسعسع وَعَسَى على بَاب عَسى فِي محراب {دَعَا زَكَرِيَّا ربه} فسرى بسره سرا لِئَلَّا ينْسب إِلَى فن من أفن وَكتب قصَّة {لَا تذرني فَردا} وشكا مَا شيك بِهِ مِمَّا حل من حل التَّرْكِيب وشيكا فِي كَلِمَات هن {وَهن الْعظم مني} فَلَمَّا أورد فِي قصَّته مَا يُرِيد حملهَا بريد الرَّجَاء إِلَى من عود الْعود الْعود فكشف الجوى فِي الْجَواب لله دره خدم حَتَّى شَاب ثمَّ طلب نايبا على الْبَاب فَأصْبح ميت أمله بِوُجُود يحيي فَمشى لمشاهدة وَجه الْقُدْرَة وَقد حَال بَينهمَا سفر الْعَادَات إِلَى أَن لفظ بِلَفْظ {أنَّى} وهتف بِهِ هَاتِف {هُوَ عَليّ هَين} فَسَأَلَ علما على مَا يعلم بِهِ وجود الْحمل لحمل نَفسه على الشُّكْر فوعد بسجن اللِّسَان مَعَ سَلامَة اللِّسَان إِلَّا عَن ذكر الرَّحْمَن ليَكُون حج نطقه مُفردا
فَلَمَّا ولد لَهُ يحيى لم يبلغ مبلغ يافع إِلَّا وَهُوَ ولد نَافِع كَانَ صبا الصِّبَا تميل بالصبيان وَلَا تهزه فَإِذا قَالُوا لَهُ هَلُمَّ بِنَا فلنلعب قَالَ إِنَّمَا خلقنَا للتعب لَا للعب فَقَط لَهُ الْقدر قطا من عِصَام الْعِصْمَة مَا قطّ لأحد فَمَا خطا إِلَى خطأ وَلَا هم وَلَقَد رمى الدُّنْيَا عَن يَد التَّمَسُّك وَعلا عَن فضولها على قلل التقلل فَكَانَ عَيْش عيشه العشب واقتنع بمسوك الْحَيَوَان عَن السب والشف والمشبرق وشغله عَن رقش نقش القشيب والدمقس مَا لف مِمَّا لفق وَلَقَد دوى فِي دو فُؤَاده غيم الْغم فغدا الغدق يدق إِلَى أَن فاض قليب قلبه فَانْقَلَبت عَيناهُ بقلب كالعيون حَتَّى فرت فحفرت فِي أخدُود الخدود مجْرى وَلم يزل معول دمعه يحْفر ركية خَدّه حَتَّى بَدَت فِيهِ أضراس فِيهِ يَا عجبا من بكاء من مَا عصى وَلَا هم وَضحك من كِتَابه بِالذنُوبِ قد إدلهم فَلَمَّا قَارب الْوَفَاة وَفَاتَ الْعَدو علم من آفَات النَّقْل فِي المواطن الْمَخْصُوصَة بوحش الوحشة فتخلص فِيهَا من أَسد الْبلَاء كَمَا حمى من ذَنْب الذَّنب {يَوْم ولد وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يبْعَث حَيا} . انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...