(الكرامات والخوارق)
المقالة العاشرة
(فيما ينبغي عليه التعويل)
(المسألة الرابعة عشرة) استدل منكرو الكرامات من المعتزلة وبعض علماء
السنة كالأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني والحليمي ومن على رأيهم بسبع حجج على
نفي الجواز، وتقدم بسطها وما قالوه في الجواب عن بعضها في المقالة الثالثة
(449 - 2) واستدل المثبتون بأربع حجج كما ذكر السبكي في الطبقات الكبرى
وهي ترجع إلى شيء واحد هو أنها وقعت بالفعل كما يعلم من بعض قصص القرآن
والآثار المروية عن الصحابة.
وتقدم في المقالة الرابعة بيان أن تلك القصص لا دليل فيها يصلح حجة في
هذا المقام إلا على ما يسمونه الإلهام وما في معناه من مكالمة الملائكة، وكان ذلك لأم
موسى وأم عيسى عليهما السلام (راجع 481 - 2) وفي المقالة الخامسة والسادسة
أنه لم يثبت بسند صحيح من الكرامات المأثورة عن الصدر الأول إلا مثل ذلك
الإلهام أيضًا، واستجابة الدعاء والبركة في الطعام (راجع 545 - 2 و 657 - 2) .
(المسألة الخامسة عشرة) أن ما يقال عن الصحابة (عليهم الرضوان) من
هذه الكرامات - ما صح سنده منه وما لم يصح - يعد على الأنامل لقلته وصار
المسلمون كلما بَعُد الزمان وقل العلم وكثر الفسوق والعصيان يكثر فيهم القول بهذه
الكرامات حتى إنهم يعدون لبعض الشيوخ المتأخرين ما يكاد يتجاوز عقد المئين. وهم
متفقون على أن الصحابة أفضل ممن بعدهم من الأولياء بلا قيد ولا استثناء. وقد
أجاب بعضهم عن هذا بأن المسلمين كانوا في عصر الصحابة وما يقاربه أقوياء
الإيمان فلم يكونوا محتاجين إلى كرامات وخوارق تقوي إيمانهم. وهذا الجواب مبني
على قاعدتهم التي ذكرها السبكي وغيره وهي أنه لا يجوز إظهار الكرامة إلا عند
ضرورة شديدة كتقوية إيمان شاك، وصواب القول في الجواب أن أهل الصدر الأول
من الصحابة والتابعين كانوا لقوة إيمانهم ويقينهم لا يكذبون ولا يخادعون الناس
بالوهم ولذلك لم يدَّعوا هذه الخوارق التي ربما كانوا أحوج إليها ممن بعدهم لإقامة
الحجة على المشركين والكافرين الذين كانوا مشتغلين بدعوتهم ومجاهدتهم. ولكنهم
لرسوخهم في معرفة مقاصد الإسلام كانوا يكتفون بالحجج المعقولة ولا يعتمدون على