[من روائع الأبحاث]
(فصل: في رد شبه بعض الملحدين)
قال الطوفي:
قال:"ومن ذلك قوله في سياق تبشير الملائكة لزكريا بيحيى (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) "
قال:"وهذا باطل، لأن سكوت زكريا كان أزيد من تسعة أشهر، وذلك من الوقت الذي بشرته إلى أن وضع، وإن كان على جهة التأديب والعقاب."
يعني على مراجعته الملك، وكونه لم يثق بأول كلامه، لا على جهة الآية"، وذكر حكاية ذلك من الإنجيل في كلام طويل قد ذكرته أنا وجوابه في"التعليق على الأناجيل"."
قلت: والذي يحتاج إلى الجواب عنه في هذه الجملة أمران:
أحدهما: أن سكوته كان أكثر من ثلاثة أيام.
الثاني: أن سكوته كان عقوبة لا علامة.
والجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: الجواب العام وهو أن مستندكم في هذا: الإنجيل. وليس حجة علينا، كما
أن ما عندنا ليس حجة عليكم - على زعمكم - فنفيت دعوانا ودعواكم ولا فاصل بيننا يلزمنا جميعا الرجوع إليه.
الوجه الثاني: أن خبر محمد - صلى الله عليه وسلم - أثبت ثلاثة الأيام، ولم ينف ما فوقها وأثبت العلامة، ولم ينف العقوبة. فإذن الجمع بين القولين ممكن، وهو أن سكوته كان تسعة أشهر، ومنها الثلاثة أيام المذكورة.
ولعله إنما اقتصر عليها لخصيصة فيها، وذلك أن في القرآن في سورة مريم (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) :
قال عبد الرازق: أخبرنا معمر عن قتادة عن عكرمة قال: (سَوِيًّا) من غير خرس.
وذكر في الإنجيل: أن زكريا بقي أبكم إلى أن وضع يحيى، والأبكم: الأخرس فلعله كان في الثلاثة أيام الأول ساكتا من غير خرس، وفي بقية المدة ساكتا بخرس ويكون الأول علامة، والثاني عقوبة والقرآن الكريم إنما ذكر هذه القصة في سياق ذكر النعمة على آل إبراهيم وآل عمران واصطفائهم على العالمين. فاقتصر على ذكر زمن الآية والعلامة التي هي من نعم الله
على خلقه. إذ هي موجبة الطمأنينة القلوب، ولم يذكر مدة البكم الذي هو عقوبة لئلا يفضي ذلك إلى ضرب من تكدير النعمة بذكر العقوبة عقيبها.
والقرآن فيه من ملاحظات الآداب واللطائف ما هو أدق من هذا، وشبيه بهذا تأدب إبراهيم مع ربه حيث يقول: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ(78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) .