فأضاف الخلق والهداية والإطعام والإسقاء إلى الله. لأنها نعم، وأضاف المرض إلى نفسه لكونه محله، وإن كان ليس منه في الحقيقة تأدبا لأن المرض صورته، صورة تفهمه. وإضافته إلى المنعم في سياق الاعتراف له بالإنعام تكدير للتأدب. وكذلك لا تنافي بين كون السكوت علامة صدق البشرى، وعقوبة على عدم المبادرة إلى التصديق بها، وذكر العقوبة في هذا ليس مما اخترعه هذا المصنف من الأسئلة على القرآن بل قد ذكره مفسرو القرآن منهم قتادة قال الطبري:"وهو قول أكثر المفسرين".
قلت: وعليه إشكال. وإن كان قد ذكره المسلمون، فإنه لا خلاف بيننا وبين النصارى أن مريم لما بشرت بالولد استعظمت ذلك وقالت: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) ؟
نطق بذلك قرآننا وإنجيلهم، ثم إنها لم تعاقب على ذلك بشيء .
فإن قال قائل: إن زكريا كان أكمل من مريم، وأكمل في الحال أولى بالعقوبة على الأفعال، وهذا معلوم من قواعد الشرع والعمَل، ولهذا كان وعيد العلماء أعظم من وعيد الجهال؟
قلنا: الجواب من وجهين.
أحدهما: أن هذا مع قيام المقتضي للعقوبة، إنما يقتضي تخفيف العذاب عن المفضول في الحال، لا سقوطه بالكلية، وقد وجد مقتضي العقوبة في مريم كما وجد في زكريا، فكان ينبغي أن يحصل لها من العقوبة بحسب حالها.
الثاني: أنه باطل بأمر نبيهم لما سأل الطمأنينة بمشاهدة كيفية إحياء الموتى فإنه لم يعاقب، مع أنه في عدم المبادرة إلى قبول خبر الصادق كزكريا ومريم.
بل أولى لوجهين:
أحدهما: أنه كان في غاية من كمال الحال.
الثاني: أن المخاطب له لو كان هو الله نفسه على ظاهر القرآن، والمخاطب لزكريا ومريم كان الملك.
وبشارة زوجة إبراهيم حيث (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) ولم تعاقب.
والأشبه - والله أعلم - أن العقوبة لا مدخل لها هنا لوجهين: