قال - رحمه الله:
{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ}
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: انْتَقَلَ مِنَ الْبِشَارَةِ بِعِيسَى إِلَى ذِكْرِ خَبَرِهِ مَعَ قَوْمِهِ وَطَوَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ خَبَرِ وِلَادَتِهِ وَنَشْأَتِهِ وَبَعْثَتِهِ مُؤَيَّدًا بِتِلْكَ الْآيَاتِ، وَهَذَا مِنْ إِيجَازِ الْقُرْآنِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ، فَقَدِ انْطَوَى تَحْتَ قَوْلِهِ: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ جَمِيعُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْبِشَارَةُ وَعُلِمَ أَنَّهُ وُلِدَ وَبُعِثَ وَدَعَا وَأَيَّدَ دَعْوَتَهُ كَمَا سَبَقَتِ الْبِشَارَةُ، فَأَحَسَّ وَشَعَرَ مِنْ قَوْمِهِ - وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ - الْكُفْرَ وَالْعِنَادَ وَالْمُقَاوَمَةَ وَالْقَصْدَ بِالْإِيذَاءِ، وَفِي هَذَا مِنَ الْعِبْرَةِ وَالتَّسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فِيهِ، وَإِنَّ أَكْبَرَ مَا فِيهِ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةَ وَإِنْ كَثُرَتْ وَعَظُمَتْ لَيْسَتْ مُلْزِمَةً بِالْإِيمَانِ وَلَا مُفْضِيَةً إِلَيْهِ حَتْمًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِيمَانُ بِاسْتِعْدَادِ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ وَحُسْنِ بَيَانِ الدَّاعِي ; وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ لَمَّا أَحَسَّ مِنْ قَوْمِهِ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ أَيْ تَوَجَّهَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ أَهْلِ الِاسْتِعْدَادِ الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ فِي دَعْوَتِهِ تَارِكِينَ