قال الفخر:
المعنى أنه تعالى حكم بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم الله تعالى من هدايته، ثم بيّن أن الأمر غير مقصور عليه، بل كما لا يهديهم فِي الدنيا يلعنهم اللعن العظيم ويعذبهم فِي الآخرة، على سبيل التأبيد والخلود.
واعلم أن لعنة الله، مخالفة للعنة الملائكة، لأن لعنته بالإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول، وكذلك من الناس، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم فصح أن يكون جزاء لذلك. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 113}
قال ابن عطية:
"اللعنة"الإبعاد وعدم الرحمة والعطف، وذلك مع قرينة الكفر زعيم بتخليدهم فِي النار، ولعنة الملائكة قول، و {الناس} : بنو آدم، ويظهر من كلام أبي علي الفارسي فِي بعض تعاليقه، أن الجن يدخلون فِي لفظة الناس، وأنشد على ذلك، [الوافر]
فقلتُ إلى الطَّعامِ فَقَالَ مِنْهُمْ ... أُناسٌ يَحْسُدُ الأَنَسَ الطَّعاما
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي يظهر، أن لفظة {الناس} إذا جاءت مطلقة، فإنما هي فِي كلام العرب بنو آدم لا غير، فإذا جاءت مقيدة بالجن، فذلك على طريقة الاستعارة، إذ هي جماعة كجماعة، وكذلك {برجال من الجن} [الجن: 6] وكذلك {نفر من الجن} [الجن: 1] ، ولفظة النفر أقرب إلى الاشتراك من رجال وناس، وقوله تعالى: {من الجنة والناس} [الناس: 6] قاض بتباين الصنفين، وقوله تعالى: {والناس أجمعين} إما يكون لمعنى الخصوص فِي المؤمنين ويلعن بضعهم بعضاً، فيجيء من هذا فِي كل شخص منهم أن لعنة جميع الناس، وإما أن يريد أن هذه اللعنة تقع فِي الدنيا من جميع الناس على من هذه صفته، وكل من هذه صفته - وقد أغواه الشيطان - يلعن صاحب الصفات ولا يشعر من نفسه أنه متصف بها، فيجيء من هذا أنهم يلعنهم جميع الناس فِي الدنيا حتى أنهم ليلعنون أنفسهم، لكن على غير تعيين. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 468 - 469}