قال - رحمه الله:
{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}
وتؤدي كل مادة الباء والراء المضعفة إلى معنى"السعة"، فـ"البَرّ"أي الواسع والبَرّ أي الأرض المتسعة ومقابله"البحر"وإن قال قائل:"إن البحر أوسع من البر، لأن حجم القارات ليس فِي حجم البحار والمحيطات التي تفصل بينها:"نقول لمثل هذا القائل"لا، إن حركتك فِي البر - الأرض - موسعة، وحركتك فِي البحر مضيقة؛ لأنك لا تتحرك فِي البحر إلا على شكل خاص، إما أن تتحرك بسفينة أو حتى على لوح من الخشب، أما حركتك فِي البر - الأرض - فأنت تمشي أو تركب، تذهب أو تجيء، فمجالك فِي البر متسع عن مجالك فِي البحر."
و"البِرّ"هو التقوى، والطاعة، أو هو"الجنة"وكلها معان ملتقية، لأنها تؤدي إلى السعة، فالطاعة تؤدي إلى السعة، وكذلك التقوى، وكذلك الجنة، كلها ملتقية؛ لأن كلها سعة، فأحدهم أخذ معنى الكلمة من مرحلتها الأولى أي بالسبب وهو الطاعة، وبعضهم أخذها من المرحلة الأخيرة أي بالمسبب وهو الجنة، وقد يسأل سائل، لماذا أراد الله أن يجيء بحديث عن النفقة بعد الحديث عن تعذيب الكفار؟ ونقول: إن الحق حين يتكلم عمن يصيبه العذاب الأليم لأنه كفر ومات كافرا، وماله من ناصرين فإن المقابل يأتي إلى الذهن، وهو من آمن وعمل صالحاً، ومات على إيمانه، فله عكس العذاب الأليم وهو النعيم، وسيجد من يأخذ بيده، بينما الكافر لن يجد ناصرين له. إن المؤمن سيجد جزاء الله على الطاعة وهي البر؛ لأن البر هو كل خير، وإن جاء إطلاقه فإنه ينصرف إلى الجزاء من الله وقمته هو الجنة.