(الكرامات والخوارق)
المقالة السابعة عشرة
في أنواع الخوارق وضروب التعليل والتأويل
(النوع الحادي عشر: استجابة الدعاء)
قال السبكي: وهو كثير جدًّا وشاهدناه من جماعة. أقول: هذه مسألة من أكبر
المسائل التي وقع فيها الخلاف بين المذاهب الإسلامية ويذكرونها في العقائد
والمشهور أن أهل السنة يقولون بنفع الدعاء والمعتزلة ينكرونه.
قال اللقاني في الجوهرة:
وعندنا أن الدعاء ينفع ... كما من القرآن وعدًا يسمع
وقد تقدم في مقالات الكرامات الأولى أن جمهور أهل السنة يقولون بجواز وقوع
الكرامة والخوارق، والمعتزلة ينكرون ذلك. وقد عدَّ السبكي وغيره استجابة الدعاء
من الكرامات والخوارق ويلزم من ذلك أن يكون الخلاف في الدعاء فرع الخلاف
في الكرامات، ولكنك تراهم يخصونه بالذكر ويعدونه مسألة مستقلة ويرون الخلاف
فيه أقوى، ويشنعون فيه على المعتزلة ما لا يشنعونه في مسألة الكرامات. ولقد
انقرض المعتزلة وذهبت كتبهم ولكن المسائل التي اختلفوا فيها مع الأشعرية لا يزال
الكثير منها حيًّا يقول فيه بقولهم كثير من الناس فنحمد الله أن جعل أئمة الفريقين
أرقى عقلاً ودينًا من أن يكفّر بعضهم بعضًا، فلو كفر أبو الحسن الأشعري وكبار
أصحابه منكري نفع الدعاء وجواز الكرامات أو وقوعها لرأيت المسلمين اليوم في
شقاق شر من ذلك الشقاق، ولامتنع أهل العلم والدين من الصلاة على موتى أكثر
المتعلمين من أبناء هذا العصر. على أن الباحثين في هذه المسائل لا يسلمون من
تكفير غلاة المقلدين ولكنه تكفير باللسان لا يعدو الشتم ولا يتجاوز الشاتمين، وإذا
مات المرمي بالكفر صلوا عليه ودفنوه بين المسلمين، ثم إنه شتم قلما يقع من
المطلعين على المذاهب والعالمين بما يؤْثَر عن العلماء من الخلاف.
الحق أقول: إن الخلاف في الدعاء أقوى من الخلاف في الكرامات، فإن مسألة
الكرامات ليست من أصول الدين ولا من فروعه، ولا يوجد في الكتاب والسنة دليل
على طلب حصولها، ولا على مطالبة الناس بالإيمان بها. وأما الدعاء فهو مطلوب
بلا خلاف، والآيات والأحاديث الصحيحة التي يذكر فيها كثيرة جدًّا. ويعجبني