جعلهم محل الخلاف في نفع الدعاء، لا في استجابته، خاصة وأنه لم يقل أحد أئمة
المسلمين بأن الدعاء يستجاب حتمًا ولا أن الأصل أو الأكثر أنه يستجاب، ولكنهم
قالوا إن الدعاء ينفع سواء استجيب أم لم يستجب، وهذا القول حق كما سنبينه. ولو
كانوا يرون أن الدعاء يستجاب من كل داع تحققت فيه الشروط التي ذكروها لما
كان لعدّهم استجابة الدعاء من الكرامات والخوارق معنى.
وردت آيات في الدعاء ولكن يراد بها في الأكثر العبادة، ومن غير الأكثر
مجرد الطلب، كقوله تعالى حكاية عن بنت شعيب: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ
مَا سَقَيْتَ لَنَا (القصص: 25) وأقرب الآيات إلى ما نحن فيه من دعاء الله
تعالى وطلب الحاجة منه توقعًا للإجابة بقضائها قوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر: 60) ، وقريب منها قوله عز وجل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي
عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (البقرة: 186) .
ولكن ورد في الصحيح تفسير الدعاء في الأولى بالعبادة. روى أحمد وأبو
بكر بن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة وابن حِبَّان
في صحيحه والحاكم وغيرهم من حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله
تعالى عليه وآله وسلم أنه قال: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْْ (غافر: 60) وفسرت الاستجابة على هذا بقبول العبادة، ومن
العلماء من فسر الدعاء في الآية بطلب الحاجات والاستجابة بقضائها.
وفسرت الآية الثانية بمثل ما فسرت به الأولى من الوجهين. وقد علم أن
الآيتين ليستا نصًا في موضوع الخلاف فيحتج بهما على المعتزلة ومَن على رأيهم
من أهل هذا العصر؛ ولهذا لم يكفروا من قال بأن الدعاء لا تأثير له في قضاء
الحاجات وإنما عدوه مخالفًا للسنة لما ورد في الدعاء من الأحاديث الصحيحة.
ورد في الصحيح أن لكل نبي دعوة مستجابة. وقد قال العلماء: إن المراد أنها
مستجابة قطعًا وما عداها من دعوات الأنبياء فهو محتمل للإجابة ولعدمها. أي أن
الحديث لا يُفهم منه أن الله لا يستجيب لنبي إلا دعوة واحدة. وورد الأمر بالدعاء