فصل
قال الفخر:
أما عذاب الكافر فِي الدنيا فهو من وجهين
أحدهما: القتل والسبي وما شاكله، حتى لو ترك الكفر لم يحسن إيقاعه به، فذلك داخل فِي عذاب الدنيا
والثاني: ما يلحق الكافر من الأمراض والمصائب، وقد اختلفوا فِي أن ذلك هل هو عقاب أم لا؟ قال بعضهم: إنه عقاب فِي حق الكافر، وإذا وقع مثله للمؤمن فإنه لا يكون عقاباً بل يكون ابتلاءً وامتحاناً، وقال الحسن: إن مثل هذا إذا وقع للكافر لا يكون عقاباً بل يكون أيضاً ابتلاءً وامتحاناً، ويكون جارياً مجرى الحدود التي تقام على النائب، فإنها لا تكون عقاباً بل امتحاناً، والدليل عليه أنه تعالى يعد الكل بالصبر عليها والرضا بها والتسليم لها وما هذا حاله لا يكون عقاباً.
فإن قيل: فقد سلمتم فِي الوجه الأول إنه عذاب للكافر على كفره، وهذا على خلاف قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} [النحل: 61] وكلمة {لَوْ} تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فوجب أن لا توجد المؤاخذة فِي الدنيا، وأيضاً قال تعالى: {اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [غافر: 17] وذلك يقتضي حصول المجازاة فِي ذلك اليوم، لا فِي الدنيا، قلنا: الآية الدالة على حصول العقاب فِي الدنيا خاصة، والآيات التي ذكرتموها عامة، والخاص مقدم على العام. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 64}
فصل
قال الفخر:
لقائل أن يقول وصف العذاب بالشدة، يقتضي أن يكون عقاب الكافر فِي الدنيا أشد، ولسنا نجد الأمر كذلك، فإن الأمر تارة يكون على الكفار وأخرى على المسلمين، ولا نجد بين الناس تفاوتاً.
قلنا: بل التفاوت موجود فِي الدنيا، لأن الآية فِي بيان أمر اليهود الذين كذبوا بعيسى عليه السلام، ونري الذلة والمسكنة لازمة لهم، فزال الإشكال. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 63 - 64}