قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
قَوْله تَعَالَى {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ}
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَلَمَّا عَلِمَ مِنْهُمْ الْكُفْرَ عِلْمًا لا شُبْهَةَ فِيهِ بِعِلْمِ مَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ قُلْت هَذَا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ لأَنَّ الْعِلْمَ الْحِسِّيَّ أَجْلَى مِنْ غَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا ابْتَدَأَ عِلْمُهُ وَشُعُورُهُ بِكُفْرِهِمْ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لأَنَّ الْحِسَّ طَرِيقُ الْعِلْمِ وَمَبْدَؤُهُ، فَهُمَا وَجْهَانِ مِنْ الْمَجَازِ فِي التَّعْبِيرِ بِالإِحْسَاسِ عَنْ الْعِلْمِ سَائِغَانِ، وَالثَّانِي مُسْتَعْمَلٌ فِي الْعُرْفِ كَثِيرًا وَهُوَ أَظْهَرُ مِمَّا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَالأَكْثَرُ فِي"أَحَسَّ"اسْتِعْمَالُهُ هَكَذَا رُبَاعِيًّا وَلَمْ يَبْنُوا مِنْهُ اسْمَ مَفْعُولٍ. وَقَوْلُ النَّاسِ"مَحْسُوسَاتٌ"يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْهُ جَاءَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ الثُّلاثِيِّ أَلا تَرَاك تَقُولُ الْحَاسَّةُ فَالْمَحْسُوسَاتُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْهَا وَمَعْنَاهُ الأَشْيَاءُ الَّتِي تُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَإِدْرَاكُ الْحَوَاسِّ طَرِيقٌ فِي الْعِلْمِ الْوَاصِلِ إلَى الْقَلْبِ لا نَفْسِ الْعِلْمِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَقَوْلُهُمْ أَحَسَّ مَعْنَاهُ عَلِمَ بِقَلْبِهِ عِلْمًا مُسْنَدًا إلَى الْحِسِّ فَهُوَ مَعْنَى غَيْرُ الأَوَّلِ وَلَمْ يَبْنُوا مِنْهُ اسْمَ مَفْعُولٍ لاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْهُ فَافْهَمْ هَذَا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لا يَعْرِفُهُ وَهُوَ مِمَّا أَبْرَزَتْهُ الْقَرِيحَةُ بِالْفِكْرِ وَتَأَمُّلِ الْكَلامِ.