حتى تصير في حكم العوائد، وإنما يجوز ظهورها على وجه لا تصير عادة، فلا يلزم
ما ذكروه، و (الثاني) - وهو لمعظم أئمتنا - قالوا: إنه يجوز توالي الكرامات على
وجه الاختفاء بحيث لا يظهر ولا يشيع ولا يعتاد؛ لئلا تخرج الكرامات عن كونها
كرامات [1] ثم قالوا: الكرامة وإن توالت على الولي حتى ألفها واعتادها فلا يخرجه
ذلك عن طريق الرشاد ووجه السداد في النظر إذا لاحت له المعجزة، إن
وافقه التوفيق، وإن تعداه التوفيق سلب الطريق ولم يكن بولي على التحقيق.
والمعجزة تتميز عمن تكررت عليه الكرامات بالإظهار والإشاعة والتحدي
ودعوى النبوة، فإذا تميزت الكرامة عن المعجزة لم ينسد باب الطريق إلى معرفة
النبي.
قال العلامة السبكي: ومن تمام الكلام في ذلك أن أهل القبلة متفقون على أن
الكرامات لا تظهر على أيدي الفسقة الفجرة [2] وإنما تظهر على المتمسكين بطاعة الله
عزَّ وجل، وبهذا لاح أن الطريق إلى معرفة الأنبياء لا ينسد، فإن الولي بتوفيق الله
تعالى ينقاد للنبي إذا ظهرت المعجزة على يديه، ويقول معاشر الناس: هذا نبي
فأطيعوه، ويكون أول منقاد له ومؤمن به، قال: ثم ما ذكره الخصوم من اشتباه
النبي صلى الله عليه وسلم بغيره، فقد تبين لك وجه الانفصال عنه، وأنا أقول:
معاذ الله أن يتحدى نبي بكرامة تكررت على يد ولي، بل لا بد أن يأتي النبي بما لا
يوقعه الله على يد الولي، وإن جاز وقوعه فليس كل ما جاء في قضايا العقول واقعًا،
ولما كانت مرتبة النبي أعلى وأرفع من مرتبة الولي، كان الولي ممنوعًا مما يأتي
به النبي على وجه الإعجاز والتحدي أدبًا مع النبي. اهـ.
أقول: وللشيخ الأكبر في هذا المعنى كلام في الفتوحات اتّفق فيه مع السبكي،
وظاهر أن الكلام كله في التجويز العقلي، ولو كان ذلك واقعًا ما اختلف فيه، وقد
صرح السبكي بما قلنا من أنه ليس كل جائر واقعًا، ثم ذهب إلى أن هذه النظرية
ممنوعة بالنسبة لهذه الأمة؛ لأن نبيها خاتم الأنبياء، ومعلوم أن الكلام في النظريات
يكون عامًّا ومطردًا.
(1) تبين من هذين القولين أن بعض أئمتنا يمنع توالي الكرامات وتكرارها، ووافقهم من أئمة الصوفية الشيخ الأكبر قُدس سره، وبعضهم يجوِّز تواليها تجويزًا عقليًّا وهو ما لا ينبغي فيه الخلاف، والكل متفقون على أنها تكون خفية بحيث لا تظهر ولا تشيع، فالذين يشيعون من الكرامات عن الشيوخ والأولياء ما هو أكثر من المطر وورق الشجر، مخالفون لأئمة المسلمين وصنيعهم، هذا قادح في المعجزات، ومخرج للكرامات عن كونها كرامات.
(2) بهذا تعرف أن ما في كتب الباجوري وغيره من المتأخرين أن الخوارق تظهر على أيدي الفساق، بل والكفار، ولكن لا تسمى كرامات، غير صحيح؛ لأنه يفضي إلى الطعن في المعجزات ولا دليل عليه أصلاً.