(الحجة الخامسة) قالوا: لو كان للكرامات أصل لكان أولى الناس بها
الصدر الأول، وهم صفوة الإسلام، والمفضلون على الخليقة بعد الأنبياء، عليهم
السلام. وقد أجاب السبكي عن هذه الحجة بسرد الكرامات المأثورة عن الصحابة
عليهم الرضوان بعد مقدمة أثبت فيها أن الكرامة لا يجوز إظهارها إلا لسبب ملزم
وأمر مهم، وبين لكل كرامة ذَكَرها سببًا في إظهارها , وإننا نعد لك تلك الكرامات
عند ذكرحجج الإثبات عدًّا، ونتبعها تأييدًا أو رَدًّا، وأما البحث في إخفاء الكرامة
فسنخصه ببحث نذكر فيه كلام السبكي وغيره.
هذا ما أورده السبكي من حجج منكري الكرامات، وهناك حجتان هما أقوى
من هذه الحجج كلها، وهما مخصوصتان في حال كون الكرامات أمورًا خارقة
لنواميس الكون، ومخالفة لسنن الله تعالى في الخلق، ولا يردان على من يقول: إن
الكرامة هي الأمر الخارق للعادة دون السنن الكونية، كالمكاشفة وشفاء المريض
بالرقى، ونحوهما مما له أسباب نفسية وسنن روحية اختص بها بعض العباد من
دون الكافة كما ألمعنا إلى هذا في بيان الخوارق والكرامات، ونلحق الحجتين بما
مضى في العدد وهما:
(الحجة السادسة) أن الله تعالى قد أقام نظام هذا الكون على سنن ثابتة
مطردة كما بيناه في المقالة الأولى من هذا البحث، وقال تعالى: فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ
اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (فاطر: 43) وهذا نص قطعي لا
يعارَض إلا بقطعي مثله من مشاهدة - وهي إنما تكون حجة على المشاهِد فقط - أو
تواتر صحيح، والمثبتون يدعون هذا التواتر، وستعلم ما فيه.
(الحجة السابعة) : عقلية، وتقريرها أن غاية ما يقال في خوارق العادات أنها
ممكنة عقلاً بالإمكان الخاص، والممكن ما يكون وجوده بوجود علته، وعدمه لعدمها،
فمن قال: إن شيئًا يوجد بدون سبب، فقد أخرج الممكن عن معناه، وكذب المشاهد
من نظام الكون، فإن قيل: إن الله الذي جعل لكل شيء سببًا قادر على أن يوجد
الكرامة بدون سبب كما أوجد المعجزة التي ثبتت قطعًا، نقول: نعم إنه قادر وأوجد
المعجزات على غير المعروف في نظام الكون، ولكن مثل هذا الأمر الذي جاء على
خلاف الأصل لا يقاس عليه، والسر في المعجزة ظاهر، فلا ينافي الحكمة والنظام
مجيئها بغير سبب، بل ذلك مما اقتضته الحكمة، ومن فوائده تقرير أن النبوة لا