ومن ذلك قوله تعالى:"لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ"، وقوله:"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ"، فتُحمل الأولى على معنى: لا تحيط به الأبصار، وتُحمل الثانية على معنى أنها تنظر إليه من غير إحاطة .. برَدِّها إلى المحكم وهو قوله تعالى:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"، فإنها تقتضي أن النظر إليه - سبحانه - لا يصح أن يكون فيه إحاطة به، حتى لا يماثل مخلوقاته في ذلك، وليتفق هذا التأويل مع نفي إدراكه الذي اشتملت عليه الآية الأولى. وهكذا كل ما يكون متشابهًا في القرآن، يحمل على محكمه.
قال الزمخشري: فإن قلت: فَهَلَّا كان القرآن كله محكمًا؟ قلت: لو كان كله محكمًا لتعلق الناس به، لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال. ولو فعلوا ذلك، لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به. ولما في التشابه من الابتلاء، والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعاب القرائح - في استخراج معانيه ورده إلى المحكم - من الفوائد الجليلة، والعلوم الجمة، ونيل الدرجات عند الله. ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في
كلام الله، ولا اختلاف فيه - إذا رأي فيه ما يناقض ظاهره - وأَهمَّهُ طلبُ ما يوفقُ بينه ويجريه على سَنَن واحد، ففَكَّر وراجع نفسه وغيره، وففتح الله عليه، وتبين مطابقة المتشابه للمحكم - ازداد طمأنينة إلى معتقده، وقوة في إيمانه ... اهـ والله أعلم.
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) :
لَمَّا بين الله أن في الكتاب: محكمًا ومتشابهًا، فرَّع على ذلك موقف أهل الزيغ من المتشابه.
وأهل الزيغ: هم المائلون عن الحق إلى الأهواء الباطلة، فيدخل فيهم نصارى نجران، الذين نزل صدر الصورة بسببهم.
(فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) :
أي فيتعلقون بذلك المتشابه وحده، ولا ينظرون إلى المحكم ليردوه إليه، بل يأخذون بأحد الاحتمالات الباطلة التي توافق أغراضهم الفاسدة، ومذاهبهم الباطلة، إلحادًا وكفرًا.
(ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأوِيلِهِ) :