كقوله: «يا أبا عُمَير ما فَعل النُّغَير» لنُغَرٍ كان يلعب به فمات فرآه حزيناً فقال له ذلك, فكُتب عنه ودُوّن وصُحّح, فاعترض بعض الزنادقة والملحدين وقال: وأيّ فائدة في هذا الكلام حتى نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟! فانتدب له بعضُ من نوّر الله قلبه بالإيمان وملأه من الحكمة فاستخرج من هذا الحديث ما يزيد على مائة حُكم من أحكام الشريعة المحمّديّة, وقد قال الله تعالى لأزواج محمد - صلى الله عليه وسلم -: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب 34] فالآيات: القرآن, والحكمة: كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - , وهذا باب واسع تكلّ الألسنة والخواطر عن إدراك ما اشتمل عليه كلامه من الحكم, فكان ما أوتي (عيسى) - عليه السلام - بل وغيره من النبيين عليهم السلام من الحِكَم داخل فيما أوتي نبينا - صلى الله عليه وسلم - من الحكم, وكان أمره بالتبليغ للأمّة بالحكمة والموعظة الحسنة, هذا مع ما أوتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفصاحة, والبلاغة, وجوامع الكلم, وفواتحه, وخواتمه, وما اختُصر له من الحكمة, وما أوتي عيسى من تعليمه التوراة, والإنجيل, وإرساله إلى بني إسرائيل, فإن نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - أوتي القرآن المجيد الذي استوعب ما في الكتب كلّها وزاد عليها كما تقدّم, وأرسل إلى الخلق كافة, وكان الأنبياء قبله يبعث النبي إلى قومه خاصّةً, وقال الله تعالى لمحمّد - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ 28] .