[من روائع الأبحاث]
ومن فوائد ولطائف ابن القيم
(فائدة)
هل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل أم الكعبة؟
قال ابن عقيل:"سألني سائل أيما أفضل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أم الكعبة؟"
فقلت: إن أردتَ مجرد الحجرة فالكعبة أفضل، وإن أردتَ وهو فيها فلا والله ولا العرش وحملته، ولا جنة عدن، ولا الأفلاك الدائرة، لأن بالحجرة جسدا لو وزن بالكونين لرجح.
[فصل: اخْتِيَارُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الْأَمَاكِنِ وَالْبِلَادِ خَيْرَهَا وَأَشْرَفَهَا]
وَمِنْ هَذَا اخْتِيَارُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الْأَمَاكِنِ وَالْبِلَادِ خَيْرَهَا وَأَشْرَفَهَا، وَهِيَ الْبَلَدُ الْحَرَامُ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اخْتَارَهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلَهُ مَنَاسِكَ لِعِبَادِهِ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِتْيَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، فَلَا يَدْخُلُونَهُ إِلَّا مُتَوَاضِعِينَ مُتَخَشِّعِينَ مُتَذَلِّلِينَ كَاشِفِي رُءُوسِهِمْ مُتَجَرِّدِينَ عَنْ لِبَاسِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا لَا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، وَلَا تُعْضَدُ بِهِ شَجَرَةٌ،
وَلَا يُنَفَّرُ لَهُ صَيْدٌ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ لِلتَّمْلِيكِ بَلْ لِلتَّعْرِيفِ لَيْسَ إِلَّا، وَجَعَلَ قَصْدَهُ مُكَفِّرًا لِمَا سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ، مَاحِيًا لِلْأَوْزَارِ، حَاطًّا لِلْخَطَايَا، كَمَا فِي"الصَّحِيحَيْنِ"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»
وَلَمْ يَرْضَ لِقَاصِدِهِ مِنَ الثَّوَابِ دُونَ الْجَنَّةِ، فَفِي"السُّنَنِ"مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ» .