قال - رحمه الله:
وقوله تعالى: {مثل ما ينفقون فِي هذه الحياة الدنيا} الآية، معناه: المثال القائم فِي النفوس من إنفاقهم الذي يعدونه قربة وحسبة وتحنثاً ومن حبطه يوم القيامة وكونه هباء منثوراً، وذهابه كالمثال القائم فِي النفوس من زرع قوم نبت واخضرّ وقوي الأمر فيه فهبت عليه {ريح فيها صر} محرق فأهلكته، فوقع التشبيه بين شيئين وشيئين، ذكر الله عز وجل أحد الشيئين المشبهين وترك ذكر الآخر ثم ذكر أحد الشيئين المشبه بهما وليس الذي يوازي المذكور الأول، وترك ذكر الآخر، ودل المذكور أن على المتروكين، وهذه غاية البلاغة والإيجاز، ومثل ذلك قوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع} [البقرة: 171] ، وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج،"تنفقون"بالتاء على معنى قل لهم يا محمد، و {مثل} رفع بالابتداء وخبره فِي محذوف به تتعلق الكاف من قوله {كمثل} ، و {ما} بمعنى الذي وجمهور المفسرين على أن {ينفقون} يراد به الأموال التي كانوا ينفقونها فِي التحنث وفي عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك عندهم قربة، وقال السدي: {ينفقون} معناه من أقوالهم التي يبطنون ضدها.