(فصل: من بليغ الاعتذار)
قال أسامة بن منقذ:
روي: أن المازني قال يوما لأصحابه: ما أحسن ما قيل في الاعتذار؟
فأنشدوه ما حضرهم، فقال: أحسن ما قيل في الاعتذار قول النابغة الذبياني:
سيري إليه فإمّا رحلة نفعت ... أو راحة القلب من همّ وتعذيب
فإن عفوت فعفو غير مؤتنف ... وإن قتلت فوتر غير مطلوب
نسب المازنيّ هذين البيتين إلى النابغة، وقد وقفت على عدة نسخ من شعر النابغة، فما رأيت هذين البيتين فيما دوّن من شعره.
وقال النابغة يعتذر إلى النعمان:
وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالفوارع
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع
وأخبرت خير النّاس أنّك لمتني ... وتلك الّتي تستكّ منها المسامع
أتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... وتترك عبدا ظالما وهو ظالع؟!
حملت عليّ ذنبه وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
أتاك بقول لهله النّسج كاذب ... ولم يأتك الحقّ الّذي هو ساطع
فإن كنت لا ذا الضّغن عنّي مكذّبا ... ولا حلفي على البراءة نافع
ولا أنا مأمون بشيء أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع
فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
وأنت ربيع ينعش النّاس سيبه ... وسيف أعيرته المنيّة قاطع
أبي الله إلّا عدله ووفاءه ... فلا النّكر معروف ولا العرف ضائع
وقال أيضا يعتذر:
فداء لامرئ سارت إليه ... بعذرة ربّها عمّي وخالي
فإن كنت أمرءا قد سؤت ظنّا ... بعبدك والخطوب إلى تبال
فأرسل في بني ذبيان فاسأل ... ولا تعجل إليّ عن السّؤال
فلا عمر الّذي أثني عليه ... وما رفع الحجيج إلى إلال
لما أغفلت شكرك فانتصحني ... وكيف ومن عطائك جلّ مالي؟
ولو كفيّ اليمين بغتك خونا ... لأفردت اليمين من الشّمال
وقال [أيضا] يعتذر إلى النعمان:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة ... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب
ولكنّني كنت أمرءا لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومطلب
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكّم في أموالهم وأقرّب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في مثل ذلك أذنبوا
فلا تتركني بالوعيد كأنّني ... لدى النّاس مطليّ به القار أجرب
أتاني أبيت اللّعن أنّك لمتني ... وتلك الّتي أهتمّ منها وأنصب
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أيّ الرّجال المهذّب؟!