[من روائع الأبحاث]
(فصل: علم السَّلامَة بالمراجعة والتفتيش)
قال الحارث المحاسبي:
وَاعلم أَنَّك مَسْبُوق إلى ضميرك بِالْحَسَدِ وَسُوء الظَّن والحقد فَاجْعَلْ الْمُرَاجَعَة شغلا لَازِما وَكن وقافا كَمَا قَالَ الأول"الْمُؤمن وقاف وَلَيْسَ كحاطب ليل".
فقف وطالع زَوَايَا ضميرك بِعَين حَدِيدَة النّظر نافذه الْبَصَر فَإِذا رَأَيْت أمرا محمودا فاحمد الله وامض، وَإِذا رَأَيْت مَكْرُوها داركته بِحسن الْمُرَاجَعَة واستقصيت فِيهِ فَإِن الَّذِي دخل بَيْتك وَلم يستأذنك سَوف يختبئ فِيهِ وَإِن كَانَ مظلما فَأَنت لَا تشعر إِلَّا أَن يكون مَعَك سراج من الْعلم مضيء وَاضح وَيكون مَعَك من الْعِنَايَة بِأَخْذِهِ وَالْإِنْكَار لما دخل فِيهِ مَا لَا صَبر لَهُ عَلَيْهِ وَلَا طَاقَة لَهُ بِهِ
وَلَو قد جربت لعرفت أن الَّذِي أَقُول لَك كَمَا أَقُول
يدْخل دَاخل مَنْزِلك بِغَيْر إذنك وَهُوَ دَاخل لَا يُؤمن أَن يخرب الْمَدْخُول عَلَيْهِ فَإِن رأى الدَّاخِل مِنْك توانيا وتهاونا كَانَ هُوَ الْمُقِيم بالمنزل الْمُدبر لَهُ فاستولى على حر بَيْتك وعَلى حرمتك، وَإِن رأى مِنْك إنكارا فِيهِ ضعف اختفى لَك ليمس سهوتك وغفلتك فَإِذا وجد فرْصَة خرب عَلَيْك مَا كنت أصلحت وَهدم مَا بنيت فَافْهَم إِن كنت تفهم وَاقْبَلْ النصح من الناصحين إِن كنت تقبل
فَلَو رحلت فِيمَا أخذت المطايا فبلغت حَيْثُ تبلغ من الْبعد وأنفقت فِي سَبِيل ذَلِك حر بَيْتك كَانَ الَّذِي أخذت أكثر من الَّذِي أنفقت وتعبت فَإنَّك تَجِد الْخَيْر الْكثير فِي ميزانك يَوْم الْقِيَامَة بِصدق الْمُرَاجَعَة ومبادرتها قبل أَن تبرد عَنْك حلاوتها فَإِنَّهَا موهبة عَظِيمَة من مواهب الله تَعَالَى أكرم بهَا أهل خاصته وَعظم النِّعْمَة عَلَيْهِم فِيهَا فَإِن عظم النِّعْمَة على قدر الْحَاجة.
فَانْظُر هَل راجعت نَفسك وأمرك إلا وَقد وجدت فِيهِ مَوضِع مرمة ومصلحة أوْ وجدت مفسودا بِعَيْنِه فَلَو لم تلْحقهُ بالمراجعة لَكَانَ ذَاهِبًا إلى يَوْم الْقِيَامَة.