"فصل فِي العجز عن العمل"
قال ابن عبد ربه:
قال رجلٌ لمُؤرِّق العِجْلي: أشكُو إليك نفسي، إنها لا تُريد الصلاة ولا تَسْتَطيع الصبرَ على الصّيام؛ قال: بئس الثناء أثنيت به على نفسك، فإذا ضعًفَت عن الخير فاضْعُف عن الشرّ، فإنّ الشاعر قال:
احْزَنْ عَلى أَنكَ لا تَحْزَنُ ... ولا تُسئ إن كُنْتَ لا تُحْسِنُ
واضعُفْ عن الشر كما تدَعى ... ضَعْفاً عن الخير وقد يُمْكِنُ
وقال بكرُ بن عبد الله: اجتهدوا فِي العملِ، فإن قَصرًّ بكمِ ضْعْفٌ فأمسكوا عن المعاصي. وقال الحسنُ رحمه الله: من كان قوياً فَلْيعتمد على قُوته فِي طاعة الله، ومَن كان ضعيفاً فلْيَكُفّ عن معاصي الله. وقال عليُ"بن أبي طالب عليه السلام": لا تَكُنْ كمن يَعْجِزُ عن شُكر ما أُوِتي، ويَبْتَغي الزيادة فيما بَقى، وينْهَى الناسَ ولا ينتهي.
وكان الحسنُ إذا وَعظ يقول: يا لها موعظةً لو صادفت من القلوب حياةً، أَسْمَع حَسِيساً ولا أَرَى أنيساً، ما لهم تَفاقدوا عقولَهم، فَرَاش نار وذُباب طَمَع. وكان ابن السمّاك إذا فَرَغ من مَوْعظته يقول: أَلْسِنَة تَصِف، وقلوب تَعْرف، وأعمال تخالِف. وقال: الحسنة نورٌ فِي القَلْب وقُوَّة فِي العمل، والسيِّئة ظُلْمة فِي القلب وضَعْف فِي العمل.
وقال بعض الحُكماءِ: يا أيُّها المشيَخَة الذين لم يَتْرًكوا الذنوب حتى تَرَكتْهُم الذُّنوب، ثمّ ظَنُّوا أنّ تَرْكها لهم توبة، وليتهم إذ ذهبتْ عنهم لم يَتَمَنَوا عَوْدَها إليهم. وكان مالكُ بن دينار يقول: ما أشدَّ فِطَامَ الكبير ويُنشد:
وتَرُوض عِرْسَك بعدما هَرِمَت ... ومن العَناء رياضة الهَرِم
ومن حديث محمد بن وَضّاح قال: إذا بلغَ الرجلُ أربعين سنة ولم يَتُب مَسح إبليسُ بيده على وجهه وقال: بِأَبي وَجْهٌ لا أفْلَح أبداً. قال الشاعر:
فإذا رأى إبليسُ غُرَّةَ وَجْهِه ... حَيا وقال فَديتُ من لا يُفْلِحُ
وقال رجل للحسن: أبا سعيد، أردتُ أن أُصَلِّي فلم أستطع؛ قال: قَيَّدَتْكَ ذنوبك. انتهى انتهى. {العقد الفريد حـ 3 صـ 143 - 145}