فصل
قال فِي ملاك التأويل:
قوله تعالى:"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض .. الآية"، وفي سورة الحديد:"سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض .. الآية"، والمراد فِي الموضعين الحث على المبادرة إلى أفعال البر وجزيل الثواب للممتثل وقد اختلفت عبارة الأمر بذلك فِي الموضعين فحذف المضاف فِي الأولى وجئ فِي الثانية بكاف التشبيه عوضا منه وقيل فِي الأولى:"عرضها السماوات"على الجميع وأفرد فِي الثانية فقيل:"عرضها كعرض السماء والأرض"فيها ثلاثة أسئلة.
والجواب عن الأول والله أعلم: أن المسارعة إلى الشيء قبل مسابقته قال تعالى:"أولئك يسارعون فِي الخيرات وهم لها سابقون"وقد أوضحنا فِي كتاب البرهان أن ترتيب السور بتوقيف على أصح المأخذين وأما ترتيب الآى فلا توقف فيه وأن ذلك كله معتمد على فيه غير ترتيب النزول، وإذا ثبت هذا فوجه تقديم لفظ"سارعوا"تقديم المسارعة ووجه تأخير سابقوا بناء المسابقة على المسارعة، ألا ترى أن المسارع إلى الشيء قد يحصل له ما سارع إليه وقد لا يحصل ولا يقال فِي الغالب سبق إلا فيمن تحصل له مطلوبه هذا هو الأكثر والمسارعة متقدمة فِي الرتبة قال تعالى:"أولئك يسارعون فِي الخيرات وهم لها سابقون"وقال تعالى:"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون"أي ثبتت وحقت لهم وعن على رضي الله عنه: سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وثنى أبو بكر وثلث عمر ... ، وقيل فِي قوله تعالى:"فالسابقات سبقا"أنها الملائكة تسبق الجن [إيصال الوحي إلى الأنبياء] فلما كانت المسارعة والمسابقة على ما ذكرنا ورد المتقدم فِي الترتيب أولا والمتأخر ثانيا مراعاة للترتيب.