110 -قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} اختلف قول أهل المعاني في هذا:
فقال الفرَّاء والزجاجُ، وغيرُهما: كنتم خير أُمَّةٍ عند الله، في اللَّوْح المحفوظ. وقالا أيضًا: معنى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} : أنتم خير أمة؛
كقوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86] ، وقال في موضع آخر: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ} [الأنفال: 26] . وإضمارُ (كان) وإظهارُها في مثل هذا، سواءٌ، إلّا أنها إذا ذُكِرت كانت للتأكيد، ووقوع الأمرِ لا مَحالة.
قال ابن الأنباري: وهذا القول ظاهرُ الاختلال؛ لأن (كان) يُلغى مُوسَّطًا ومُؤَخَّرًا، ولا يُلغَى مُقدَّما؛ تقول العرب: (عبدُ الله كان قائمٌ) و (عبدُ الله قائمٌ، كان) ؛ على أنَّ (كان) مطروحة، ولا يقولون: (كانَ عبدُ الله قائمٌ) ، على إلغائها، لأنَّ سبيلهم أن يبدأوا بما [تنصرف الغايةُ إليه، والمُلْغَى غير معني به، على أنَّه لا يجوز] إلغاءُ الكَوْنِ في الآية؛ لانتصاب خبره، وإذا (أُعْمِلَ) الكَوْنُ في الخَبَرِ، فنصبه، لم يكن مُلغًى.
وقال بعضُ النحويين: إنما قال: {كُنْتُمْ} ، ولم يقل: (أنتم) ؛
لتَقَدُّمِ البِشَارَةِ بهذه الأُمَّة، ولِمَا قد كان يُسمَعُ مِنَ الخير في هذه الأمَّةِ؛ فكأنَّه قيل: كنتم خير أُمَّةٍ بُشِّرَت بها. وهذا القول، يُروى معناه عن الحَسَنِ.
وقال بعضهم: الكَوْنُ ههنا بمعنى: الوقوع والحُدُوث، وهي التَّامَّةُ التي لا تحتاج إلى خبر، فمعنى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} : حَدَثْتم خَيْرَ أُمَّةٍ، ووُجِدْتُم وخُلِقْتُم خَيرَ أمَةٍ، فيكون {خَيْرَ أُمَّةٍ} حينئذ بمعنى الحَالِ. وهذا معنى قولِ [ابن] جَرِير.
وحكى الزجاجُ عن بعضهم: كنتم [منذ] آمنتم خيرَ أُمَّةٍ.
فأمَّا المُخاطَبون بهذا: فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: