{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - مَا مِثَالُهُ: إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - قَدْ وَضَعَ لَنَا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ قَاعِدَةً نَرْجِعُ إِلَيْهَا عِنْدَ تَفَرُّقِ الْأَهْوَاءِ وَاخْتِلَافِ الْآرَاءِ، وَهِيَ الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِهِ ; وَلِذَلِكَ نَهَانَا عَنِ التَّفَرُّقِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالِاعْتِصَامِ، الَّذِي قُلْنَا فِي تَفْسِيرِهِ: إِنَّهُ تَمْثِيلٌ لِجَمْعِ أَهْوَائِهِمْ وَضَبْطِ إِرَادَتِهِمْ. وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُسَلَّمَةِ: أَنَّهُ لَا تَقُومُ لِقَوْمٍ قَائِمَةٌ إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُمْ جَامِعَةٌ تَضُمُّهُمْ وَوَحْدَةٌ تَجْمَعُهُمْ وَتَرْبِطُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، فَيَكُونُونَ بِذَلِكَ أُمَّةً حَيَّةً كَأَنَّهَا جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. وَحَدِيثِ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى. فَإِذَا كَانَتِ الْجَامِعَةُ الْمُوَحِّدَةُ لِلْأُمَّةِ هِيَ مَصْدَرُ حَيَاتِهَا - سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُؤْمِنَةً أَمْ كَافِرَةً - فَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِالْوَحْدَةِ مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لَهُمْ إِلَهًا وَاحِدًا يَرْجِعُونَ فِي جَمِيعِ شُئُونِهِمْ إِلَى حُكْمِهِ الَّذِي يَعْلُو جَمِيعُ الْأَهْوَاءِ، وَيَحُولُ دُونَ التَّفَرُّقِ وَالْخِلَافِ، بَلْ هَذَا هُوَ يَنْبُوعُ الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ لِمَا دُونَ الْأُمَمِ مِنَ الْجَمْعِيَّاتِ