فصل
قال الفخر:
في قوله {مّنكُمْ} قولان
أحدهما: أن {مِنْ} ههنا ليست للتبعيض لدليلين
الأول: أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة فِي قوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} [آل عمران: 110]
والثاني: هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس إذا ثبت هذا فنقول: معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وأما كلمة {مِنْ} فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] ويقال أيضاً: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يريد بذلك جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم، كذا ههنا، ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين، ونظيره قوله تعالى: {انفروا خِفَافًا وَثِقَالاً} [التوبة: 41] وقوله {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التوبة: 39] فالأمر عام، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين.