(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك
قال الأبشيهي:
اعلم أن المودة والأخوة والزيارة سبب التآلف، والتآلف سبب القوة، والقوة سبب التقوى، والتقوى حصن منيع وركن شديد بها يمنع الضيم وتنال الرغائب وتنجع المقاصد، وقد منّ الله تعالى على قوم وذكرهم نعمته عليهم بأن جمع قلوبهم على الصفا وردها بعد الفرقة إلى الألفة والإخاء، فقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً}
ووصف نعيم الجنة وما أعد فيها لأوليائه من الكرامة، إذ جعلهم إخوانا على سرر متقابلين، وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإخاء وندب إليه، وآخى بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وقد ذكر الله تعالى أهل جهنم وما يلقون فيها من الألم إذ يقولون: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ 100 وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ 101
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه:
الرجل بلا أخ كشمال بلا يمين، وأنشدوا في ذلك:
وما المرء إلا بإخوانه ... كما يقبض الكفّ بالمعصم
ولا خير في الكفّ مقطوعة ... ولا خير في الساعد الأجذم
وقال زياد: خير ما اكتسب المرء الإخوان فإنهم معونة على حوادث الزمان ونوائب الحدثان، وعون في السراء والضراء.
ومن كلام علي رضي الله عنه وكرم وجهه:
عليك بإخوان الصفاء فإنّهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور
وإنّ قليلا ألف خلّ وصاحب ... وإنّ عدوا واحدا لكثير
وقال الأوزاعي: الصاحب للصاحب كالرقعة في الثوب إن لم تكن مثله شانته. وقال عبد الله بن طاهر: المال غاد ورائح والسلطان ظل زائل والإخوان كنوز وافرة.
وقال المأمون للحسن بن سهل: نظرت في اللذات فوجدتها كلها مملولة سوى سبعة، قال: وما السبعة يا أمير المؤمنين؟ قال: خبز الحنطة، ولحم الغنم، والماء البارد، والثوب الناعم، والرائحة الطيبة والفراش الواطئ، والنظر إلى الحسن من كل شيء، قال: فأين أنت يا أمير المؤمنين من محادثة الرجال؟ قال: صدقت، وهي أولاهن وقال سليمان بن عبد الملك: أكلت الطيب ولبست اللبن وركبت الفاره وافتضضت العذراء، فلم يبق من لذاتي إلا صديق أطرح معه مؤنة التحفظ.