فصل
قال القرطبي:
قال علماؤنا: قوله عليه السَّلام:"كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم"استبعاد لِتوفيق مَن فَعل ذلك به.
وقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ} تقريب لما استبعده وإطماع فِي إسلامهم، ولما أُطْمع فِي ذلك قال صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"كما فِي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبِياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"قال علماؤنا: فالحاكي فِي حديث ابن مسعود هو الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام، وهو المحكي عنه؛ بدليل ما قد جاء صريحاً مبَيِّناً.
أنه عليه الصَّلاة والسَّلام لما كُسرت رَباعيته وشُجّ وجهه يوم أحُد شقّ ذلك على أصحابه شقّاً شديداً وقالوا: لو دعوت عليهما فقال:"إني لم أبعث لَعّاناً ولكني بعثت داعِياً ورحمة، اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"فكأنه عليه السَّلام أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية أحُد، ولم يعيّن له ذلك النّبيّ؛ فلما وقع له ذلك تَعيَّن أنه المعنيُّ بذلك بدليل ما ذكرنا.
ويُبيِّنه أيضاً ما قاله عمر له فِي بعض كلامه: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! لقد دعا نوح على قومه فقال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً} [نوح: 26] الآية.
ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا؛ فقد وُطِيء ظهرك وأدْمي وجهك وكُسِرت ربَاعيتك فأبيت أن تقول إلاَّ خيراً، فقلت:"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
وقوله:"اشتد غضب الله على قوم كسروا رباعية نبيهم"يعني بذلك المباشرَ لذلك، وقد ذكرنا اسمه على اختلاف فِي ذلك، وإنما قلنا إن خصوص فِي المباشر؛ لأنه قد أسلم جماعة ممن شهد أحُداً وحسن إسلامهم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 4 صـ 199 - 200}