قوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(137)
الخلاء: المكان الذي لا ساتر فيه، من بنية وغيرها، وقد يقال للمكان الذي لا ساكن فيه، وخليته تركته فِي خلاء، ثم يقال لكل تَرْكٍ: تخلية حتى
قيل: ناقة خلية: مخلاة عن الحلب، وامرأة خلية مخلاة عن
الزوج، وسميت السفينة المتروكة تمر بذاتها خلية، وزمان خالٍ
أي ماض، كأنه خلا عما كان فيه، وأصل السُّنّة من السنيّ أي
صب الماء على وجه الأرض، وعلى التشبيه به قيل: سننت
الدرع، ووجه مسنون، والسنّة: الطريقة المجعولة للاقتداء
بها محسوسة كانت أو معقولة، وعُنِي بالسنة هاهنا ما كان من
القرون الأولى، أخيارهم وأشرارهم، وما كان فِي مقابلتهم
منه تعالى ومجازاته إياهم إن خيراً فخيراً، وإن شرًّا فشرًّا فِي الدنيا
تارة وفي الآخرة تارة، على ما بينه تعالى بكلامه، وشُوهد من
أحكامه، فنبهنا على اعتبار ما جرى به سننه، وأمرنا بالسير في
الأرض والنظر إليه، ولم يعن بالسير السعي بالأرجل، ولا
بالنظر نظر العين، فذلك غير مغنٍ بانفراده فِي معرفة سنة الله في
الذين خلوا، وإنما عنى إجالة الخاطر فيها، والنظر بالبصيرة
للمتحرين للحكم، والمنبهين على العبر، وعلى هذا قوله:
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) ، وقوله: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) ، وقد
حمل بعض الصوفية قوله - صلى الله عليه وسلم -"سافروا تغنموا"على هذا.
قوله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ(138)
جعل تعالى القرآن بياناً للعامة والخاصة، فلهذا قال للناس لأنه
ما من ذي فكرة استمع إليه إلا حصل منه بيان ما، وجعله هدى
وموعظة للمتقين خاصة، وقد تقدم الكلام فِي تخصيصه هدى