[من روائع الأبحاث]
(فصل: كَمَال الْعَزْم)
قال الحارث المحاسبي:
قلت فَمَا بَال الرجل يَأْتِيهِ الأمر مِمَّا يحب من غير طلب وَلَا عزم عَلَيْهِ حَتَّى رُبمَا أَخَاف من عزمه أن يكون عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا يكون لَهُ؟
قَالَ هَذَا من الَّذِي قُلْنَا لَا يصلح الشَّيْء إِلَّا بِشَيْء قبله وَشَيْء بعده فَإِذا لم يكن عزم بِمَعْرِفَة كَانَ عاقبته نَحْو الَّذِي ذكرت
ومعرفته أَن يكون بدؤه بالافتقار إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَا يكون كالتألي على الله.
والتوكل أَن ينْفَرد بإشعار قلبه فِي تَفْوِيض الْمقدرَة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى والتبري من الْحول وَالْقُوَّة أَوَلا تسمع إلى قَوْله تَعَالَى {وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله} فَهَذَا زِيَادَة على التَّوَكُّل أمْر أَمرك الله بِهِ وَقَوله تَعَالَى {وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل على الله} والمشورة من الْحَاجة لَا من الْغنى أَمر الله نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يَسْتَعِين بِمن لَيْسَ هُوَ مثله وَأَن تبقى سنته سنة لمن هُوَ بعده.
فَكيف بِمن هُوَ مثلي وَمثلك إِذا سَهَا عَن الله فِيمَا لَا يَسعهُ إِلَّا التضرع إليه
أَوَلا تسمع إلى قَوْله عز وَجل فِي قصَّة يَعْقُوب {إِن الحكم إِلَّا لله عَلَيْهِ توكلت} فَكَانَ عَاقِبَة يَعْقُوب تَمام مَا أَرَادَ
وَقَول يُوسُف {قَالَ رب السجْن أحب إِلَيّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن} وَتمّ لَهُ أمره حِين أخرج نَفسه من الْقُدْرَة واقر بالافتقار وفوض الأمر إلى ربه
وَقَول الآخر {لَئِن أنجيتنا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ} فَسَأَلُوهُ وَلم يفرضوا إليه أمرهم لَا قبل الْمَسْأَلَة وَلَا بعْدهَا قَالَ {فَلَمَّا أنجاهم إِذا هم يَبْغُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق} وَلم يتمم لَهُم أمرهم.
وَقَول الآخر أَيْضا {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا}
ثمَّ انْظُر إلى قَول آدم حِين تقدم على حمل الأمانة بِغَيْر افتقار وَلَا استكانة فَلم يتمم لَهُ أمره وعير بِالْجَهْلِ وَالظُّلم
وماذا يُغني الْعَزْم من الَّذِي لَيْسَ بِيَدِهِ الأمر؟!!