قال البخاريّ: وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستَشِيرون الأمناء من أهل العلم فِي الأُمور المباحة ليأخذوا بأسهلها.
وقال سفيان الثورِيّ: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة، ومن يخشى الله تعالى.
وقال الحسن: والله ما تشاوَرَ قوم بينهم إلا هداهم لأفضل ما يحضر بهم.
ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من قوم كانت لهم مشورةٌ فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه فِي مشورتهم إلا خِيرَ لهم".
والشُّورى مبنيّة على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر فِي ذلك الخلاف، وينظر أقرَبها قولاً إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزَم عليه وأنفذه متوكّلاً عليه، إذْ هذه غاية الاجتهاد المطلوب؛ وبهذا أمر الله تعالى نبيّه فِي هذه الآية. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 4 صـ 249 - 252}
وأولى الأقوال بالصواب فِي ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألُّفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنة الشيطان وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزُبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به فِي ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه فِي حياته صلى الله عليه وسلم يفعله. فأما النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله كان يعرِّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صوابَ ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنِّين بفعله فِي ذلك، على تصادُقٍ وتأخٍّ للحق، وإرادةِ جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حَيْد عن هدى، فالله مسدِّدهم وموفِّقهم. انتهى انتهى. {تفسير الطبري حـ 7 صـ 345 - 346}