قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169)
روي عن ابن عباس والحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"لما أُصيب إخوانكم بأحُدٍ جعل الله أرواحهم فِي أجواف طيرٍ خُضرٍ ترِدُ أنهار"
الجنّة، وتأكل من أثمارها، وتأوي إلى قناديل معلّقة فِي ظلّ العرش.
فلما وجدوا طِيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يُبلِّغُ إخواننا
عنّا: أنّا أحياء فِي الجنّة، نُرزق، كي لا ينكلوا عن الحرب؟ فقال
تعالى: أنا أبلّغهم عنكم، فأنزل هذه الآية"."
فدل ذلك أن الأرواح أحياء تُثاب وتُعاقب قبل أن تُعاد إلى الأجسام يوم القيامة، وعلى هذا قال فِي صفة آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) ، ودل عطف قوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)
أن عرضهم على النار قبل يوم القيامة.
وروي:"إنّ أحدَكم إذا مات عُرضَ عليه مقعده بكرة وعشية."
فيقال: هذا مقعدُك حتى تُبعثَ إليه"."
وهذا قول السلف وأصحاب الحقائق، الذين عرفوا حقيقة الروح المعنيّة هاهنا، وكونه جوهرا.
له بذاته قوام، وأما متأخرو المعتزلة الذين لم يتجاوزوا منزلي
الِحسّ والوهم، ولم يروا الروح إلا ريحا أو عرضا، فبعضهم
قال: يعني أحياء يوم القيامة، ووصفهم بذلك فِي الحال لقرب
القيامة عند الله، كقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) ، ومعنى (عِنْدَ رَبِّهِمْ)
أي فِي علم الله، وبعضهم قال: أحياء بالذكر، وبعضهم قال:
أحياء بالإِيمان، وإرادة هذه المعاني بالآية غير ممتنعة، فإن
المؤمنين أحياء بكل ذلك، كما قالوا، ولكنهم مع ذلك أحياء
بالأرواح على ما ورد به الخبر، وزعمهم أن ما ورد من الأخبار
في أرواح الشهداء ليس بصحيح، فإن العقل لا يقتضي ذلك.