{ما فرطنا فِي الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] وكأن الآية نزلت مؤنسة للمؤمنين، إذ كان تغلبهم على الرأي فِي قصة - أحد - يقتضي أن يعاقبوا بأن لا يشاوروا فِي المستأنف، وقرأ ابن عباس"وشاورهم فِي بعض الأمر"وقراءة الجمهور إنما هي باسم الجنس الذي يقع للبعض وللكل، ولا محالة أن اللفظ خاص بما ليس من تحليل وتحريم، والشورى مبينة على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر فِي ذلك الخلاف ويتخير، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه، عزم عليه وأنفذه متوكلاً على الله، إذ هي غاية الاجتهاد المطلوب منه، وبهذا أمر تعالى نبيه فِي هذه الآية. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 1 صـ 534}
وقال ابن عطية: أمر بتدريج بليغ، أمر بالعفو عنهم فيما يخصه، فإذا صاروا فِي هذه الدرجة أمر باستغفار فيما لله، فإذا صاروا فِي هذه الدرجة صاروا أهلاً للاستشارة فِي الأمور انتهى.
وفيه بعض تلخيص، ولا يظهر هذا التدريج من اللفظ، ولكنْ هذه حكمة تقديم هذه الأوامر بعضها على بعض.
أمر أولاً بالعفو عنهم، إذ عفوه عنهم مسقط لحقه، ودليل على رضاه صلى الله عليه وسلم عليهم، وعدم مؤاخذته.
ولما سقط حقه بعفوه استغفر لهم الله ليكمل لهم صفحه وصفح الله عنهم، ويحصل لهم رضاه صلى الله عليه وسلم ورضا الله تعالى.
ولما زالت عنهم التبعات من الجانبين شاورهم إيذاناً بأنهم أهل للمحبة الصادقة والخلة الناصحة، إذ لا يستشير الإنسان إلا من كان معتقداً فيه المودة والعقل والتجربة.
والظاهر أن قوله: فاعف عنهم أمرٌ له بالعفو.
وقيل: معناه سلني العفو عنهم لأعفو عنهم، والمعفو عنه والمسؤول الاستغفار لأجله.
قيل: فرارهم يوم أحد، وترك إجابته، وزوال الرّماة عن مراكزهم.