قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ... (133) }
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول المسارعة مفاعلة لَا يجعلها لتكلف بها إلا مع فعل الغير، وهي فرض على الأعيان لَا على الكفاية، فكل واحد من النَّاس مكلف بها أن يفعلها حالة فعل الآخر لها فيلزم عليه التكليف يفعل الغير، وهو تكليف ما لا يطاق، قال: فأجبناه نحن بأنه ليس المراد سارعوا بعضكم إلى مغفرة، وإنما المراد سارعوا الموت فكل واحد منا مكلف بل يسبق أجله بفعل الخيرات، والطاعة خوف أن يسبقه الأجل فيقطعه عن ذلك ويمنعه من دخول الجنة.
فإن قلت: هلا قيل: إلى غفران من ربكم؛ لأنه جنس المغفرة مفرد، قال: فالجواب أنه لو قيل: إلى غفران لما تناول الأمن هو كثير النسيان فسارع إلى الغفران الكثير مع أن كل واحد لَا يخلو من ذنب يغض به، وإن قل فلما قال: (إِلَى مَغْفِرَةٍ) عم ذلك قليل السيئات وكثيرها، قال: هم محتاجون إلى مغفرة فهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنهم إذا أمروا
بالمسارعة لتحصيل قليل المغفرة فهو مأمور المسارعة إلى ما يجعل كثيرها من باب أحرى.
قال ابن عرفة: فإِن قلت: أمروا بالمسارعة لتحصيل الأمر الملائم فهلا أمروا بالمسارعة إلى السلامة والنجاة من الأمر المؤلم المنجي من العذاب، فهو أولى؛ لأن دفع المؤلم آكد من جلب الملائم، قال: فالجواب أنه لو كان كذلك لما تناول إلا فعل الواجبات خاصة، وهي ما في فعله الثواب، وفي تركه العقاب، والقصد في الآية أمرهم بتحصيل الواجب المندوب، فلذلك عبر بالملائم دون الملام من المؤلم.
ابن عرفة: وذكر المغفرة يستلزم السلامة من النار.
ابن عرفة: والمسارعة تستلزم المسابقة؛ لأن من أسرع إلى الشيء فهو يسبق غيره إليه، ولا بد بخلاف المسابقة فإنه قد يسبق إليه من غير إسراع، وقال أبو جعفر الزبير: أنما قال هنا: (سَارِعُوا) وفي سورة الحديد: (سَابِقُوا) لتقدم المسارعة في التوبة على المسابقة فقدمت عليها في التلاوة؛ ولأن من سابق فقد سارع، ومن أسرع فقد سبق، وقد ... فعله سبق، وهو نص في حصول المقصود، وسارع من أسرع، وليس بنص في حصول المقصود؛ لأنه قد يسرع ولا يتصل بالغرض.