[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
قالوا: ومن الإحالة في القرآن قوله: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}
قالوا: فكيف يكون المقتول حيا، فرحا مع موته ونقض بنيته وتقطّع أوصاله ومشاهدته على حاله؟ وما ظنّوه من الإحالة في هذا باطل لأنّ أكثر الأمّة تقول: إنّ الله يحييهم في قبورهم وينعّم أرواحهم في أجسامهم أو بعضهم، فمنهم من يقول: إنّ ذلك حالهم دائما ومنهم من يقول: يكون ذلك عند المسائلة في القبر، وبعد فراق منكر ونكير له، وكذلك قولهم عذاب الكافرين، وقد بيّن هذا الكلام ما ورد فيه من الأخبار في باب عذاب القبر ونعيمه، وهذا ليس بمستحيل من جهة العقل والحياة، وعند أهل الحقّ لا يحتاج إلى بنية وبلّة ورطوبة، فبطل ما توهّموه.
ومن الناس من يقول: أراد بقوله: أحياء، الإخبار عن عاقبة أمرهم وما يؤول إليه حالهم من النعيم بثواب الآخرة وفرحهم بذلك، كما يقال: ما مات من ذكره باقي، وما مات من خلّف مثل فلان من الولد بل هو حيّ، وكما يقال للمظلوم المقهور: أنت الغالب الرابح وظالمك هو الخاسر، يراد بذلك أنّ عاقبتك الربح والنصر وعاقبته الخسران والنقص، وكما يقال: ما مات فلان ما بقي ذكره وأثر إحسانه وكتب ذكره وبيانه.
قال الشاعر:
فقلت والدمع من حزن ومن فرح ... في اليوم قد أخذ الخدين منسجمه
ألم تمت يا شقيق الجود من زمن ... فقال لي لم يمت من لم يمت كرمه
قال وعلى هذا قال رجل للنعمان بن مقرّن وقد كتب إلى عمر بن الخطاب كتابا يقول له فيه: «وقد يرى الشاهد ما لا يرى الغائب» ، فقال له الرجل العمر تقول هذا؟ بل هو والله الشاهد، وأنت الغائب، يريد بذلك أن فهمه أحضره، ومعرفته أكبر فهو أمثل لذلك من حالك، وإن كنت حاضرا، فأمّا القطع على أنّه لا بد من بلاء الشهداء وتقطّع أوصالهم، فإنّه لا طريق إليه، بل الروايات بخلاف ذلك على ما يرويه أهل البصرة في طلحة بن عبيد الله، وأنّ عائشة بنته لما أخرجته من موضع النز وقد رأته في اليوم يشتكي ذلك ويخبر بتأذّيه فوقعت المسحاة على إصبع له فدمت.
وروى جابر بن عبد الله قال: «لما أراد معاوية أن يجري العين التي عند قبور الشهداء أمر مناديا فنادى في المدينة من كان له قتيل فيخرج إليه، قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطابا ينثنون وأصابت المسحاة إصبع رجل منهم فانقطرت دما» فقال الحسن البصريّ وقد سمع ذلك: ألا ينكر بعد هذا منكر؟. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...