فصل
قال الآلوسي:
{وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ} أي ما صح ولا استقام لنبي من الأنبياء أن يخون فِي المغنم لأن الخيانة تنافي النبوة وأصل الغل الأخذ بخفية ولذا استعمل فِي السرقة ثم خص فِي اللغة بالسرقة من المغنم قبل القسمة وتسمى غلولاً أيضاً، قيل: وسميت بذلك لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة مجعول فيها غل وهي الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة أيضاً، وقال الرماني وغيره أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء فِي خلل الشجر، وسميت الخيانة غلولاً لأنها تجري فِي الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل، ومن ذلك الغل للحقد والغليل لحرارة العطش والغلالة للشغار، والمراد تنزيه ساحة النبي صلى الله عليه وسلم على أبلغ وجه عما ظن به الرماة يوم أحد فقد حكى الواحدي عن الكلبي ومقاتل أن الرماة حين تركوا المركز يومئذٍ طلباً للغنيمة قالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ظننتم أنا نغلّ ولا نقسم لكم"ولهذا نزلت الآية، أو تنزيهه صلى الله عليه وسلم عما اتهمه به بعض المنافقين يوم بدر، فقد أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير وحسناه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: نزلت هذه الآية فِي قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، والرواية الأولى: أوفق بالمقام، وارتباط الآية بما قبلها عليها أتم لأن القصة أحدية إلا أن فيها إشعاراً بأن غنائم بدر لم تقسم وهو مخالف لما سيأتي فِي الأنفال وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه، والرواية الثانية: أولى بالقبول عند أرباب هذا الشأن، ويحتمل أن يكون المراد المبالغة فِي النهي عن الغلول، فقد أخرج ابن أبي شيبة فِي"المصنف"وابن