قوله تعالى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(181)
لمّا أنزل اللّه (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) قال قوم من
اليهود تهكماً على النبي - صلى الله عليه وسلم: إن اللّه فقير ونحن أغنياء، يستقرض منّا، فأنزل اللّه تعالى ذلك، ولم يُعَيرِّهم أنهم اعتقدوا فقر اللّه.
وإنما عيّرهم تجاهلهم وتكذيبهم وصرفهم الكلام إلى غير الوجه المقصود به، وعلى هذا قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) .
ونبّه بقوله: (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ) أنهم ارتكبوا
من المعاصي ما هو مثل هذا القول، أو أكثر منه، ولم يقل(بغير
حق): أن فِي قتل بعض الأنبياء حقًّا، ولكن جعل ذلك حالهم
على العموم، أي هو فِي كل حال على غير حق، وكَتْبُ ذلك
قيل: هو على الحقيقة، وقيل: هو على طريق المثل، عبارة عن
حفظه، وأنه لا ينسى، واعلم أن الكتابة جعلها اللّه لنا عوناً
لحفظنا، وذاك أن اللفظ لا يُفهم إلا القريب دون البعيد، وإلا
الشيء بعد الشيء، ويسرع إليه مع ذلك الاضمحلال، فربما لا يعيه
السمع، وإذا وعاه فربما لم يتصوره، وإذا تصوَّره فربما أخلّ به
الحفظ فأعانه الله بالكتابة، لتكون تكملة لقوة النطق، وواعية لما
يضيع من الفهم، ومدركة جملةً فِي حالة واحدة، فعُلِم من ذلك
أن الكتابة وإن كانت شريفة فإنما احتجنا إليها لنقصنا وتكميل
أفهامنا، فمن حمل الكتابة على الحقيقة قال: كتب الملأ الأعلى
أعمالنا، لا لجبران نقصهم وضعف فهمهم وخوف نسيانهم؛ ولكن
لجبران نقيصة البشر، وليتذكَّر به ما لعله نسي، وليرى صورة